وحينما جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة الإسلام والمسلمين ، ودحرهم المسلمون ، بدأوا في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنيسة ، وعندما فعلوا ذلك تَقَدَّموا .
هم إذن عندما تركوا سلطان البابا تقدموا ، ونحن حين تركنا العمل بتعاليم الإسلام تخلَّفنا .
إذن: فأيُّ الجَرْعَتيْن خير؟
إن واقع الحياة قد أثبت تقدُّم المسلمين حين أخذوا بتعاليم الإسلام ، وتخلفوا حين تركوها .
وهكذا . . فمعيار التقدُّم هو الأخذْ بالأسباب ، فمن أخذ بالأسباب وهو مؤمن نال حُسْن خير الدنيا وحُسْن ثواب الآخرة ، ومَنْ لم يؤمن وأخذ بالأسباب نال خير الدنيا ولم يَنَلْ ثواب الآخرة .
والحق سبحانه وتعالى هو القائل:
{والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ} [النور: 39] .
وهكذا يُفاجأ بالإله الذي كذَّب به .
والحق سبحانه يقول:
{مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ} [إبراهيم: 18] .
إذنْ: فمن أراد الدنيا وزينتها ، فالحق الأعلى سبحانه يوفِّيه حسابه ولا يبخسه من حقه شيئاً ، فحاتم الطائي على سبيل المثال أخذ صفة الكرم ، وعنترة أخذ صفة الشجاعة ، وكل إنسان أحسن عملاً أخذ أجره ، ولكن عطاء الآخرة هو لمن عمل عمله لوجه الله تعالى ، وآمن به .
وحتى الذين دخلوا الإسلام نفاقاً وحاربوا مع المسلمين ، أخذوا نصيبهم من الغنائم ، ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب .
إذن: فالوفاء يعني وجود عَقْد ، وما دام هناك عقد بين العامل والعمل ، وأتقن العاملُ العملَ فلا بد أن يأخذ أجره دون بَخْس ؛ لأن البَخْسَ هو إنقاص الحق .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة}