أولئك الجاهلون بحكمة الخلق وبسنن الكون وهم أفراد من هذا الإنسان القاصر الغافل اليؤوس الكفور الفرح الفخور الذين لا يدركون حكمة إرسال الرسل من البشر فيطلبون أن يكون ملكاً أو أن يصاحبه ملك ؛ ولا يقدرون قيمة الرسالة فيطلبون أن يكون للرسول كنز!.. أولئك المكذبون المعاندون الذين يلجون في التكذيب والعناد.. ما تراك صانعاً معهم أيها الرسول؟
{فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك. إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} ..
ولعل هنا تحمل معنى الإستفهام. وهو ليس استفهاماً خالصاً ، إنما يتلبس به أن المتوقع من النفس البشرية أن تضيق صدراً بهذا الجهل ، وبهذا التعنت ، وبهذه الإقتراحات السخيفة التي تكشف عن بعد كامل عن إدراك طبيعة الرسالة ووظيفتها. فهل سيضيق صدرك يا محمد وهل سيحملك هذا الضيق على أن تترك بعض ما أنزل إليك فلا تبلغه لهم ، كي لا يقابلوه بما اعتادوا أن يقابلوا به نظائره فيما أخبرتهم من قبل؟
كلا. لن تترك بعض ما يوحى إليك ولن يضيق به صدرك من قولهم هذا:
{إنما أنت نذير} ..
فواجبك كله أن تنذرهم وأبرز صفة النذير هنا لأن المقام يستوجبها مع أمثال هؤلاء فأد واجبك:
{والله على كل شيء وكيل} ..
فهو الموكل بهم ، يصرفهم كيف يشاء وفق سنته ، ويحاسبهم بعد ذلك على ما يكسبون. ولست أنت موكلاً بكفرهم أو إيمانهم. إنما أنت نذير.
وهذه الآية تشي بجو تلك الفترة الحرجة في تاريخ الدعوة ؛ وما كان يعتور صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضيق. كما تشي بثقل المواجهة للجاهلية المتمردة المعاندة ، في الوقت الذي هلك فيه العشير والنصير ؛ وغمرت الوحشة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغشى الكرب على قلوب المؤمنين القلائل في هذه الجاهلية المحيطة..
ومن بين كلمات الآية نحس جواً مكروباً تتنزل فيه هذه الكلمات الربانية بالبشاشة ، وتسكب فيه الطمأنينة ، وتريح الأعصاب والقلوب!