وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعَجز ، فقال: وانْظُر إلى إلهك الَّذِي ظَلتَ عليهِ عاكِفاً لنُحرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَممِ نَسْفاً.
فجعَل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات.
وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكماً بالسامريّ وتحقيراً له ، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه.
وقوله {ظلتَ} بفتح الظاء في القراءات المشهورة ، وأصله: ظَلَلْتَ: حذفت منه اللام الأولى تخفيفاً من توالي اللاميْن وهو حذف نادر عند سيبويه وعند غيره هو قياس.
وفعل (ظلّ) من أخوات (كان) .
وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في وقت النّهار ، وهو هنا مجاز في معنى (دام) بعلاقة الإطلاق بناء على أنّ غالب الأعمال يكون في النّهار.
والعكوف: ملازمة العبادة وتقدم آنفاً.
وتقديم المجرور في قوله {عَلَيْهِ عَاكِفَاً} للتخصيص ، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره ، أي دون الله تعالى.
وقرأ الجمهور {لنُحرِّقنَّه} بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة.
والتحريق: الإحراق الشديد ، أي لنحرقنه إحراقاً لا يدع له شكلاً.
وأراد به أن يذيبه بالنّار حتى يفسد شكله ويصير قِطَعاً.
وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر لنُحْرِقنه بضم النّون الأولى وبإسكان الحاء وتخفيف الراء.
وقرأه ابن وَردان عن أبي جعفر بفتح النون الأولى وإسكان الحاء وضم الراء لأنّه يقال: أحرقه وحرّقه.
والنسف: تفريقٌ وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب.
وأراد باليمّ البحر الأحمر المسمى بحر القلزم ، والمسمى في التوراة: بحْرَ سُوف ، وكانوا نأزلين حينئذ على ساحله في سفح الطور.