فهرس الكتاب
قال - عليه الرحمة:
{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) }
بالغ في توعده لهم حيث ذكر لفظ اللعنة في شأنهم.
ووَصَفَ المحصنات بالغفلة: أي بالغفلة عما يُنْسَبْنَ إليه؛ فليس الوصف على جهة الذمِّ، ولكن لبيان تباعدهن عمَّا قيل فيهن.
واستحقاقُ القّذَفَةِ لِلْعَنةِ - في الدنيا والآخرة - يدل على أنه لشؤم زلتهم تتغير عواقبهم، فيخرجون من الدنيا لا على الإسلام.
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوا من غير اختيار منهم، ثم كما تشهد بعض أعضائهم عليهم تشهد بعض أعضائهم لهم، فالعين كما تشهد: أنه نَظَر بي، تشهد بأنه بكى بي ... وكذلك سائر الأعضاء.
ويقال شهادةُ الأعضاء في القيامة مُؤجَّلَةٌ، وشهادتها في المحبة اليومَ مُعَجَّلة؛ من صُفْرَةِ الوجهِ إذا بدا المحبوب، وشحوبِ اللون، ونحافةِ الجسم، وانسكابِ الدموع، وخفقان القلب، وغير ذلك.
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)
يجازيهم على قَدْر استحقاقهم؛ للعابدين بالجِنان والمثوبة على توفيةِ أعمالِهم، وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفيةِ أحوالِهم؛ فهؤلاء لهم عُلوُّ الدرجات وهؤلاء لهم الأُنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة.
{وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ الْمُبِينُ} : فتصيرُ المعرفةُ ضروريةً؛ فيجدون المُعافَاةَ من النَّظَر وتَذَكُّرهِ، ويستريح القلبُ من وَصْفِيْ تَرَدُّدِهِ وتَغَيُّرِه: لاستغنائه ببصائره عن تَبَصُّرِهِ.