وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ وَذَلِكَ حِينَ يَجْحَدُ أَحَدُهُمَا مَا اكْتَسَبَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الذُّنُوبِ عِنْدَ تَقْرِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهَا، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ؟
قِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ أَلْسِنَةَ بَعْضِهِمْ تَشْهَدُ عَلَى بَعْضٍ، لَا أَنَّ أَلْسِنَتَهُمْ تَنْطِقُ وَقَدْ خُتِمَ عَلَى الْأَفْوَاهِ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِّفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَدَ وَخَاصَمَ، فَيُقَالُ لَهُ: هَؤُلَاءِ جِيرَانُكُ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا فَيَقُولُ: أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا فَيَقُولُ: أَتَحْلِفُونَ؟ فَيَحْلِفُونَ. ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ، وَتَشْهَدُ أَلْسِنَتُهُمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ حِسَابَهُمْ وَجَزَاءَهُمُ الْحَقَّ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
وَالدِّينُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {الْحَقَّ} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ.
{دِينَهُمُ الْحَقَّ} نَصْبًا عَلَى النَّعْتِ لِلدِّينِ، كَأَنَّهُ قَالَ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَقًّا. ثُمَّ أَدْخَلَ فِي الْحَقِّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، فَنُصِبَ بِمَا نُصِبَ بِهِ الدِّينُ.
وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقُّ» بِرَفْعِ الْحَقِّ , عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ اللَّهِ.
قَالَ جَرِيرٌ. وَقَرَأْتُهَا فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقَّ دِينَهُمْ»
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ نَصْبُ الْحَقِّ عَلَى إتِّبَاعِهِ إَعْرَابَ الدِّينِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.