وفي موضع آخر يقول تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] .
وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً ، وإلا فكيف تتهمون محمداً أن رجلاً أعجمياً يُعلِّمه القرآن ، والقرآن عربي؟
وقوله تعالى: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4] الذي قال هذه المقولة هو النضر بن الحارث ، ولما قالها رددها بعده آخرون أمثال: عدَّاس ، ويسَّار ، وأبي فكيهة الرومي ، والقرآن يرد على كل هذه الاتهامات: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} [الفرقان: 4] أي: حكموا به والظلم هو: الحكم بغير الحق ، والزّور هو: عُدَّة الحكم ودليله . والظلم يأتي بعد الزور ، لأن القاضي يستمع أولاً إلى الشهادة ، ثم يُرتِّب عليها الحكم ، فإن كانت الشهادةُ شهادةَ زور كان الحكم حينئذ ظالماً .
لكن الحق تبارك وتعالى يقول {ظُلْماً وَزُوراً} [الفرقان: 4] وهذا دليل على أن الحكم جاء منهم مُسبقاً ، ثم التمسوا له دليلاً .
ثم يقول الحق سبحانه: {وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين}
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
الأساطير: جمع أسطورة ، مثل أعاجيب جمع أعجوبة ، وأحاديث جمعُ أُحْدوثة ، والبكرة أو النهار ، والأصيل آخره ، والمعنى أنهم قالوا عن القرآن: إنه حكايات وأساطير السابقين {اكتتبها} [الفرقان: 5] يعني: أمر بكتابتها . وهذا من ترددهم واضطراب أقوالهم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب ، وقولهم: {فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: 5] أي: باستمرار ليُكرِّرها ويحفظها .
ويردُّ القرآن عليهم: {قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر}