هذه المسألة من فروع عقيدة القضاء والقدر والنظر فيها من حيث الأسباب
واتصال المسببات بها لا إشكال فيه؛ لأنه مبني على الظواهر , وللإنسان عمر
طبيعي هو مستعد لأن يبلغه إذا لم تعارضه أسباب أخرى تحول دون ذلك كالقتل
والغرق وكالأمراض التي تفضي إلى سرعة الانحلال وانطفاء سراج الحياة أو
ينقطع عنه مدد النموّ الذي تقوم به الحياة حتى تبلغ الأجل المستعدة لبلوغه في أصل
نظام الفطرة. ومثل الإنسان في هذا سائر الأجسام الحية حتى النبات فإن القطن
مثلاً له أجل محدود في الطبيعة ولكنه لا يبلغه إذا حالت دون ذلك الأسباب العارضة
كأن يقلع بعد نباته بشهر أو شهرين , أو يمنع عنه السقي الذي يغذيه ويمده حتى
يبلغ أجله. فإذا عَدَا عادٍ على حرث قوم فاقتلع بعض هذا القطن , يصح أن نقول:
إنه لو لم يقلعه لبقي حيًّا إلى أن يثمر , كما يصح أن نقول: إن ذلك الشاب لو لم
يغرق لعاش مدة طويلة لأن بنيته مستعدة لذلك , وكذلك لو لم يتعرض للمرض
الفلاني الذي أصابه بالعدوى؛ لكان جديرًا بأن يطول عمره ويعيش عيشة راضية.
كل هذا يصح أن يقال بالاعتبار الذي ذكرناه وهو ما ثبت عقلاً ووجودًا وشرعًا
بالوجه العام المثبت لارتباط الأسباب بالمسببات.
ثم إنهم يطلقون لفظ (الأجل) ولفظ (العمر) على المدة التي يعيشها الإنسان
وغيره بالواقع، ونفس الأمر لا على المدة التي هو مستعد لبلوغها عند انتفاء
الموانع , والأجل بهذا المعنى لا يعرف إلا بالوقوع فمتى مات المرء يعلم أن هذه
المدة التي قضاها هي أجله في الواقع ونفس الأمر , ولما كان الله وحده هو الذي
يعلم ما سيعرض على الأحياء من الفواجع الفجائية. والتهاون بالتدابير الصحية.
فيقطع آجالهم الطبيعية الاستعدادية. أطلق الأجل على علم الله تعالى بالعمر , وبهذا
المعنى قالوا: إن العمر لا يزيد ولا ينقص وهو صحيح إذ لو وقع في الوجود
خلاف ما يعلم الله تعالى أنه سيقع لكان العلم جهلاً وقد فرضناه علمًا وبرهنا عليه.
الدين دين الفطرة والشريعة حنيفية سمحة ليلها كنهارها لا شبهة فيها ولا حيرة
ولكن انتشار الجهالة في المسلمين بعد السلف قذفهم في تيهور الحير وطوّح بهم في