ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون فيها النفس اللوامة ، وضمن لها أنْ يظل مجتمعها آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ؛ لذلك لا حاجةَ لرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذن: فالمناعة موجودة في أمة الإسلام ، ولو لم تكُنْ هذه المناعة موجودة في النفس أولاً ، وفي المجتمع ثانياً لتدخلتْ السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ليعيد الخَلْق إلى رُشْدهم .
ولا شكَّ أن في المجتمع طائفةً تنتفع بهذا الفساد ، ويعيشون في ترف في ظله ، فطبيعي إذن أنْ يدافعوا عنه ، وطبيعي أنْ يتصدَّوْا لدعوة الرسول التي جاءتْ لتعدل ميزان المجتمع ، وأنْ يقفوا له بالمرصاد ؛ لأنه يهدِّد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم .
وإنْ كان الرسل السابقون قد تعرّضوا لمثل هذا الاضطهاد ، فقد تعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأضعاف ما تعرَّضوا له ؛ لأن اضطهاده صلى الله عليه وسلم جاء مناسباً لضخامة مهمته ، فقد جاءتْ الرسل قبله ، كُلٌّ إلى أمته خاصة في زمن محدد ، أمّا رسالته صلى الله عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة ، تعمُّ كل الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة ، فلا بُدَّ إذن أن تكون مهمته أصعب .
وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله إذا لُوِّح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته ، ويترك لهم الساحة ؛ لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله ، يُلوِّحون له بالمال والجاه والسلطان ، ليصدُّوه عن الدعوة ويصرفوه عنها ، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا الشيخ موسى: دستة الشر ، وكانوا اثنا عشر رجلاً ، منهم: أبو البختري ، وأبو جهل ، وأبو سفيان ، والأسود بن المطلب ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، وعتبة بن ربيعة ، ومُنبِّه بن الحجاج ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وشيبة بن ربيعة ، ونُبيه بن الحجاج .