وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم في قوله: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} فقيل لهم: كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. قال: وأما دخول {إِنَّهُمْ} فعلى تأويل: ما أرسلنا [قبلك من المرسلين] إلا هم يأكلون الطعام، وإلا إنهم ليأكلون الطعام. وحذفت رسلًا لأن (إلا) ، دليل على ما حذف، فأما مثل اللام بعد إلا فقول الشاعر:
ما انطياني ولا سألتهما ... إلا وإني لحاجزي نسبي
وقال في قول الفراء: وهو خطأ بيِّن؛ لأنه لا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة. وهذه مسألة خلاف بين الكوفيين والبصريين. ذكرنا هذا قديمًا. وعلى ما قال الزجاج، الموصوف محذوف. وعلى قول الفراء، الموصول هو المحذوف.
وذكر ابن الأنباري، قول الفراء واحتج عليه بأبيات ذكرناها قديمًا، فيما مضى من الكتاب؛ منها قول ذي الرُّمة:
فَظَلُّوا ومنهم دمْعُه سابقٌ له .. البيت
وقول آخر:
لو قلتَ ما في قومِها لم تيثمِ ... يفضُلها في حَسَبٍ ومِيسَمِ
وذكر قولًا آخر فقال: كسرت إنَّ، بعد: إلاَّ، للاستئناف بإضمار واو بتقدير إلا وإنهم، فأضمرت الواو كما أضمرت في قوله: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] والتأويل: أو وهم قائلون.
قوله تعالى: ذكروا فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين؛ فقراءُ الصحابة جعلوا فتنة لهم. وهو قول: الكلبي، واختيار الفراء. قال الكلبي: {فِتْنَةٌ} بلية، ابتلي الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، فإذا رأى الشريفُ الوضيعَ قد أسلم قبله حمي أنفًا أن يسلم فيكون مثله، وقال: أُسلم فأكون مثل هذا الوضيع شرعًا سواء.
وذكر أبو إسحاق هذا القول فقال: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام فعلم أن مَنْ دونه في الشرف قد أسلم قَبْله فيمتنع من الإسلام لئلا يقال: أسلم مِن قَبْلِه مَنْ هو دونه. ويقيم على كفره لئلا يكون له السابقة والفضل عليه. وذلك افتتان بعضهم ببعض.