وتكلمنا على هذه الحروف وقلنا: إنها خامات القرآن ، فمن مثل هذه الحروف يُنسج كلام الله ، وقلنا: إنك إنْ أردتَ أن تُميِّز مهارة النسْج عند بعض العمال مثلاً لا تعطي أحدهم قطناً ، والآخر صوفاً ، والآخر حريراً مثلاً ؛ لأنك لا تستطيع التمييز بينهم ، لأن الخامات مختلفة ، فالحرير بطبيعته سيكون أنعم وأرقَّ . فإنْ أردتَ معرفة المهارة فوحِّد المادة الخام عند الجميع .
فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: إن القرآن مُعْجز ، بدليل أنكم تملكون نفس حروفه ، ومع ذلك عجزتُمْ عن معارضته ، فقد استخدم القرآن نفس حروفكم ، ونفس كلماتكم وألفاظكم ، وجاء بها في صورة بليغة ، عَزَّ عليكم الإتيان بمثلها .
إذن: اختلف أسلوب القرآن ، لأن الله تعالى هو الذي يتكلم . فمعنى (ألم) هذه نفس حروفكم فأتوا بمثلها .
أو: (ألم) تحمل معنى من المعاني ؛ لأن ألف لام ميم أسماء حروف ، وأسماء الحروف لا يعرفها إلا المتعلم ، فالأُميُّ يقول (كتب) لكن لا يعرف أسماء حروفها ، وتقول للولد الصغير في المدرسة: تهجَّ كتب فيقول لك (كاف فتحة كَ) و (تاء فتحة تَ) و (باء فتحة بَ) .
إذن: لا يعرف أسماء الحروف إلا المتعلم ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمياً ، فمن أين نطق بأسماء الحروف الم ، طه ، يس ، ق .. . إلخ . إذن: لا بُدَّ أن ربه علّمه ولقّنه هذه الحروف ، ومن هنا جاءت أهمية التلقين والتلقيّ في تعلُّم القرآن ، وإلا فكيف يُفرِّق المتعلم بين (الم) هنا وبين {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] فينطق الأولى على الوقْف ، والأخرى على الوَصْل ، ينطق الأولى بأسماء الحروف ، والثانية بمُسمَّياتها؟
وتحمل (الم) أيضاً معنى التنبيه للسامع ، فالقرآن نزل بأسلوب العرب ولغتهم ، فلا بُدَّ أن تتوفر له خصائص العربية والعربية الراقية ، فلو قرأنا مثلاً في الشعر الجاهلي نجد عمرو بن كلثوم يقول: