وسبق أنْ بيّنا غباء مَنْ كَذَّب بحادثة الإسراء والمعراج من كفار مكة الذين قالوا لرسول الله: أتدَّعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وأنهم غفلوا أو تغافلوا عن نص الآية: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ...} [الإسراء: 1] فلم يقل محمد: إني سريت بنفسي إنما أُسْري بي .
وقلنا للرد عليهم: لو جاءك رجل يقول لك: لقد صعدتُ بولدي الرضيع قمة إفرست مثلاً ، أتقول له: كيف يصعد الرضيع قمة إفرست؟
وسبق أنْ تكلَّمنا في قضية ينبغي أن تظل في أذهانكم جميعاً ، وهي أن كل فعل يأخذ نصيبه من الزمن على قَدْر قوة فاعله ، فالوزن الذي ينقله الطفل الصغير في عدة مرات تحمله أنت في يد واحدة .
فالزمن يتناسب مع القوة تناسباً عكسياً فكلما زادت القوة قلَّ الزمن ، فالذي يذهب مثلاً إلى الأسكندرية على حمار غير الذي يذهب في سيارة أو على مَتْن طائرة . وهكذا .
إذن: قِسْ على قدر قوة الفاعل ، فإنْ كان الإسراء بقوة الله تعالى ، وهي قوة القوى فلا زمن ، وهذه مسألة يقف عندها العقل ، ولا يقبلها إلا بالإيمان .
إذن: فالحق سبحانه يُمحِّصكم ويبتليكم ؛ لأنه يريدكم لمهمة عظيمة ، لا يصلح لها إلا الصنديد القوي في إيمانه ويقينه .
لذلك يقول سبحانه في أكثر من موضع: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات وَبَشِّرِ الصابرين} [البقرة: 155] .
وقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .
وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ ...} [آل عمران: 142] .