-إحداها: روى أبو نعيم عن وهب قال: إن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله تعالى، وإن رآه الناس بخيلاً فيما سوى ذلك، وإن أبخل الناس من بخل بحقوق الله، وإن رآه الناس كريماً فيما سوى ذلك.
وهذا لا شبهة فيه، بل إذا بخل بحقوق الله وجاد بغيرها، لم يخرج عنه اسم البخيل، وازداد اسماً آخر، وهو المسرف.
-الثانية: روى البيهقي في"الشعب"عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه دخل على رابعة العدوية رضي الله تعالى عنها فقالت له: يا سفيان! ما تعدون السخاء فيكم؟ قال: أما عند أبناء الدنيا فالذي يجود
بماله، وأما عند أبناء الآخرة فالذي يجود بنفسه، فقالت: يا سفيان! أخطأتم فيها، فقال سفيان: فما السخاء عندك رحمك الله؟ قالت: أن تعبدوه حباً له، لا لطلب جزاء ولا مكافأة.
ثم أنشأت تقول: من المنسرح
لَوْلاكَ مَا طابَتِ الْجِنَانُ وَلا ... طَابَ نَعِيْمٌ بِجَنَّةِ الْخَلَدِ
قَوْمٌ أَرَادُوْكَ لِلْجِنَانِ فَنَا ... لُوْها وَقَلْبِيْ سِوَاكَ لَمْ يُرِدِ
-الثالثة: روى أبو نعيم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: من سئل بالله فأعطى، كُتب له سبعون أجراً.
قلت: إنما ضوعف أجره لأنه إنما أعطى إجلالاً لله تعالى، وصيانة لاسمه أن يذكر في طلب حاجة هو قادر على قضائها فلا يقضيها.
-الرابعة: روى ابن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أن رجلاً قال له: يا أبا علي! من أسمح الناس؟ فقال: من جاد بماله تبرعاً، وتنزه عن مال غيره تورعاً.
وهذا كلام صحيح، مقتضاه أن من أخذ من أموال الناس ظلماً، وأعطى آخرين منه، وإن أعطى الألوف، فليس من الجود في شيء؛ فإنه لم يَجُدْ بمال نفسه، بل بمال غيره، والتصرف في مال الغير بلا حق حرام؛ وإن غلط أهل الدنيا في إطلاق الكرم، والجود على فعله، وقالوا: فلان نهَّابٌ وَهَّابٌ.
* تَنْبِيْهٌ:
التبجح بالكرم، وقوله: سأكسوك، سأعطيك، وقوله لمن شكى إليه غرامة، أو نحوها: لا بأس عليك، تعال أعطيك، وأفعل معك، ونحو ذلك، ليس من الكرم في شيء حتى يفعله، بل سبق الفعل أولى من سبق القول، فإن قصر فعله عن قوله، كان ذلك شر أنواع البخل.
وأنشد المبرد لمسلم: من الطويل