قد يطلق على أحد الشرين أنَّهُ خير من الآخر؛ بمعنى أنه أهون منه وأخف ضرراً، فإذا كان لابد من ارتكاب أحدهما فارتكاب الأخف خير - أي: أولى - من ارتكاب الآخر.
وبالجملة: فإطلاق الخير على الأخف مجاز ظاهر، وقد وقع من ذلك كثير في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فمن ذلك حديث المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه:"ما تَقُوْلُوْنَ فِي الزِّنَا؟"قالوا: حرام، حرَّمه الله ورسوله، فهو
حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْنِي بِحَلِيْلةِ جَارِهِ". رواه البخاري في"تاريخه"، والإمام أحمد - ورواته ثقات -، والطبراني في"الكبير"، و"الأوسط".
وفي رواية:"أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِه".
وهي مفسِّرة لمعنى الخيرية في الرواية؛ إذ لا خيرية في الزنا أصلاً.
وكذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لأنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمْرَةٍ، فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ". رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
فإنَّ الجلوس على الجمر لا خير فيه عقلاً ولا شرعاً من حيث إنه يعرض لإتلاف ماله وجسده، وقد يؤدي إلى قتل نفسه، إلا أنه أراد أن يُعظم أمر انتهاك حرمة القبر إشارة إلى أن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حيًّا، فلا تنتهك حرمته.
وكذلك حديث عبد الله بن مغفَّل - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"لأنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُم بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيْدٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ". رواه الطبراني في"الكبير".
وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"لأَنْ يَجْعَلَ أَحَدُكُم فِي فِيْهِ تُرَابًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ فِي فِيْهِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ". رواه البيهقي في"الشعب".