وأما الآية التي في سورة النحل، فإن الأمر فيها على مثل ما في سورة الزمر من حمل اللفظ على نظيره مع مطابقة المعنى له، وذلك أن أول الآية هناك: {وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} فقال في الذي عند الله: {مَا عِنْدَ اللَّهِ} ثم قال: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ}
والمعنى: الذي عندكم، فاستعمل «ما» في قوله: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} فلما جاء ذكر الجزاء وهو ما عند الله، كان استعمال اللفظ الذي يرجع إلى ما تقدم أولى من استعمال غيره، فقال: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وأحسن {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هو ما عند الله مما أعد الأجر له، ثم قال بعده: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فاستعمل «من» وهي للمميزين عامة فيهم وبإزائها في غيرهم «ما» ، فلما استعملت «من» هنا شرطا، كان استعمال «ما» التي هي قرينتها فيما يتعلق بجزاء شرطها أولى مما لا يلائمها، فلما كانت {الَّذِي} في سورة الزمر أحق بمكانها، كانت {مَا} في سورة النحل أحق بموضعها، والسبب واحد فيهما.
الآية الرابعة من سورة الزمر
قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} وقال في سورة الجاثية: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} .
للسائل أن يسأل عن اختصاص سورة الزمر بقوله: {كَسَبُوا} وسورة الجاثية بقوله: {عَمِلُوا} وعن الفائدة في ذلك؟.