السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ لَكَانَ الْمَقْصُودُ حَاصِلًا لَكِنَّهُ أَرْدَفَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى التَّأْكِيدِ فَقَالَ (جَمِيعًا) وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْمُؤَكِّدَاتِ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا، وَلَفْظُ الْغَفُورِ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ
التَّاسِعُ: أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحِيمًا وَالرَّحْمَةُ تُفِيدُ فَائِدَةً عَلَى الْمَغْفِرَةِ فكان قوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ إِشَارَةً إِلَى إِزَالَةِ مُوجِبَاتِ الْعِقَابِ، وَقَوْلُهُ (الرَّحِيمُ) إِشَارَةً إِلَى تَحْصِيلِ مُوجِبَاتِ الرَّحْمَةِ وَالثَّوَابِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ قَوْلَهُ (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا غَفُورَ وَلَا رَحِيمَ إِلَّا هُوَ، وَذَلِكَ يُفِيدُ الْكَمَالَ فِي وَصْفِهِ سُبْحَانَهُ بِالْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْعَشَرَةُ مَجْمُوعَةٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ بِأَسْرِهَا دَالَّةٌ عَلَى كَمَالِ الرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْفَوْزَ بِهَا وَالنَّجَاةَ مِنَ الْعِقَابِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
(قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ(64)
إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ وَصْفُ الْإِلَهِ بِكَوْنِهِ خَالِقًا لِلْأَشْيَاءِ وَبِكَوْنِهِ مَالِكًا لِمَقَالِيدَ السماوات وَالْأَرْضِ، وَظَاهِرُ كَوْنِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ جَمَادَاتٍ أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ عبادة الإله الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الشَّرِيفَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَاشْتَغَلَ بِعِبَادَةِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْخَسِيسَةِ، فَقَدْ بَلَغَ فِي الْجَهْلِ مَبْلَغًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: (أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) وَلَا شَكَّ أَنَّ وَصْفَهُمْ بِهَذَا الْأَمْرِ لَائِقٌ بِهَذَا الْمَوْضِعِ.
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ(65)
وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ حَالَ شِرْكِهِ عَلَى التَّعْيِينِ؟