ثم لما ذكر سبحانه: أنه لا يرضى لعباده الكفر بيّن أنه يرضى لهم الشكر ، فقال: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي: يرض لكم الشكر المدلول عليه بقوله ، وإن تشكروا ، ويثبكم عليه ، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر ؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا ، والآخرة كما قال سبحانه: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] قرأ أبو جعفر ، وأبو عمرو ، وشيبة ، وهبير عن عاصم بإسكان الهاء من يرضه ، وأشبع الضمة على الهاء ابن ذكوان ، وابن كثير ، والكسائي ، وابن محيصن ، وورش عن نافع ، واختلس الباقون.
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي: لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى ، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى {ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} يوم القيامة {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} من خير ، وشر ، وفيه تهديد شديد {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} أي: بما تضمره القلوب ، وتستره ، فكيف بما تظهره ، وتبديه.
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ} أيّ: ضر كان من مرض ، أو فقر ، أو خوف {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي: راجعاً إليه مستغيثاً به في دفع ما نزل به تاركاً لما كان يدعوه ، ويستغيث به من ميت ، أو حيّ ، أو صنم ، أو غير ذلك {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ} أي: أعطاه ، وملكه ، يقال: خوّله الشيء ، أي: ملكه إياه ، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
ومنه قول أبي النجم:
أعطى ولم يبخل ولم يُبَخِّل... كوم الذرى من خول المخوّل
{نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أي: نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله.