ثم جاء سبحانه بما يدلّ على التفاوت بين الرجلين ، فقال: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} ، وهذا الاستفهام للإنكار ، والاستبعاد ، والمعنى: هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة ، ونياتهم متباينة يستخدمه كل واحد منهم ، فيتعب ، وينصب مع كون كل واحد منهم غير راضٍ بخدمته ، وهذا الذي يخدم واحداً لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي عنه ، وإذا عصاه عفا عنه.
فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر عاقل أن يتفوّه باستوائهما ، لأن أحدهما: في أعلى المنازل ، والآخر: في أدناها ، وانتصاب مثلاً على التمييز المحول عن الفاعل ؛ لأن الأصل هل يستوي مثلهما ، وأفرد التمييز ، ولم يثنه ؛ لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه مبيناً للجنس ، وجملة: {الحمد للَّهِ} تقرير لما قبلها من نفي الاستواء ، وللإيذان للموحدين بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة المستحقة لتخصيص الحمد به.
ثم أضرب سبحانه عن نفي الاستواء المفهوم من الاستفهام الإنكاري إلى بيان أن أكثر الناس لا يعلمون ، فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ، وهم: المشركون ، فإنهم لا يعلمون ذلك مع ظهوره ، ووضوحه.
قال الواحدي ، والبغوي: والمراد بالأكثر الكلّ ، والظاهر خلاف ما قالاه ، فإن المؤمنين بالله يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه ، وعلوّ مكانه ، وإن الشرك لا يمائله بوجه من الوجوه ، ولا يساويه في وصف من الأوصاف ، ويعلمون أن الله سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة ، وأن الحمد مختصّ به.
ثم أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الموت يدركه ، ويدركهم لا محالة ، فقال: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} قرأ الجمهور: {ميت} و {ميتون} بالتشديد ، وقرأ ابن محيصن ، وابن أبي عبلة ، وعيسى بن عمر ، وابن أبي إسحاق ، واليماني: (مائت ومائتون) ، وبها قرأ عبد الله بن الزبير.