{بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين} جواب من الله عز وجل لما تضمنه قول القائل {لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى} [الزمر: 57] من نفى أن يكون الله تعالى هداه ورد عليه ، ولا يشترط في الجواب ببلى تقدم النفي صريحاً وقد وقع في موقعه اللائق به لأنه لو قدم على القرينة الأخيرة أعني {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب} [الزمر: 58] الخ وأوقع بعده غير مفصول بنيهما بها لم يحسن لتبتير النظم الجليل ، فإن القرائن الثلاث متناسبة متناسقة متلاصقة ، والتناسب بينهن أتم من التناسب بين القرينة الثانية وجوابها ، ولو أخرت القرينة الثانية وجعلت الثالثة ثانية لم يحسن أيضا لأن رعاية الترتيب المعنوي وهي أهم تفوت إذ ذاك ، وذلك لأن التحسر على التفريط عند تطاير الصحف على ما يدل عليه مواضع من القرآن العظيم ، والتعلل بعدم الهداية إنما يكون بعد مشاهدة حال المتقين واغتباطهم ، ولأنه للتسلي عن بعض التحسر أو من باب تمسك الغريق فهو لا حق وتمني الرجوع بعد ذوق النار ، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ} [الأنعام: 27] وكذلك لو حمل الوقوف على الحبس على شفيرها أو مشاهدتها ، وكل بعد مشاهدة حال المتقين وما لقوا من خفة الحساب والتكريم في الموقف ، ولأن اللجأ إلى التمني بعد تحقق أن لا جدوى للتعليل.