ومن ذلك ما حكي في قوله تعالى في سورة يُوسف (70) {ثم أذَّنَ مؤذِّنٌ أيّتها العِير إنَّكم لسارقون} وقوله تعالى: {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إنّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون وإنهم لنا لغائظون} [الشعراء: 53 55] .
ووقع في المقامة الثلاثين للحريري:"فلما جلس كأنه ابنُ ماء السماء ، نَادى مُنادٍ من قِبَل الأحْماء ، وحُرْمَةِ ساسان أستاذِ الأُستَاذِين ، وقِدوة الشحّاذين ، لا عَقَد هذا العقدَ المبجّل ، في هذا اليوم الأغرِّ المحجّل ، إلا الذي جالَ وجاب ، وشَبّ في الكُدية وشاب".
فذلك نداء لإعلان العقد.
وجملة {قال} الخ مبيّنة لجملة {نادى} ، والمجاز العقلي في {قال} مثل الذي في {ونادى فرعون} .
وفرعون المحكي عنه في هذه القصة هو منفطاح الثاني.
فالأنهار: فروع النيل وتُرَعُه ، لأنها لعظمها جعل كل واحد منها مثل نهر فجمعت على أنهار وإنما هي لنهر واحد هو النيل.
فإن كان مقر ملك فرعون هذا في مدينة منفيس فاسم الإشارة في قوله: {وهذه الأنهار} إشارة إلى تفاريع النيل التي تبتدئ قرب القاهرة فيتفرع النيل بها إلى فرعين عظيمين فرع دِمياط وفرع رَشيد ، وتعرف بالدّلتا.
وأحسب أنه الذي كان يدعَى فرع تنيس لأن تنيس كانت في تلك الجهة وغَمرها البحر ، وله تفاريع أخرى صغيرة يسمى كل واحد منها تُرعة ، مثل ترعة الإسماعيلية ، وهنالك تفاريع أخرى تُدْعى الرياح.
وإن كان مقر ملكه طيبة التي هي بقرب مدينة آبو اليومَ فالإشارة إلى جَداول النيل وفروعه المشهورة بين أهل المدينة كأنها مشاهدة لعيونهم.
ومعنى قوله: {تجري من تحتي} يحتمل أن يكون ادَّعى أنّ النيل يجري بأمره ، فيكون {من تحتي} كناية عن التسخير كقوله تعالى: {كانتا تَحتَ عبدين من عبادنا صالحين} [التحريم: 10] أي كانتا في عصمتهما.