ما قدمناه من أن معنى: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} على تقدير: لولا كراهة ذلك . وإن معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد وهو الكفر ، أي: أن كراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع الكافر بها على الوجه المذكور - هو ما ذكره المفسرون . فورد عليه أنه حين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها ، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام ؟ فأجيب بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضاً ، لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا . والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين فكانت الحكمة فيما دبر حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء ، وغلب الفقر على الغنى ، هذا ما قاله الزمخشري .
وعندي أن لا حاجة لتقدير الكراهة ، وأن معنى الآية غير ما ذكروه ، وذلك أن المعنى: لولا أن يكونوا خلقوا ليكونوا أمة واحدة ، للترافد ، والتعاون ، والتضام ، وما به قوام حياتهم كالجسم الواحد ، لجعلنا للناس ما ذكر من الزين والحلي لدخوله تحت القدرة الكاملة ، إلا أن ذلك مبطل للحكمة ومخرب لنظام الوجود ، وإنما عبّر عن الناس بمن يكفر بالرحمن ، رعاية للأكثر وهم الكفار ؛ فإنهم الذين طبقوا ظهر الأرض ، وملأوا وجهها ، وحطّاً لقدر الدنيا وتصغيراً لشأنها ، بأن تؤتى لمن هو الأدنى منزلة ، والأخس قدراً .
وخلاصة المعنى: أن خلقهم أمة واحدة مدنيين بالطبع ، مانع من بسط الدنيا عليهم جميعهم . وهذا هو معنى لولا المطرد ، أن ما بعدها أبداً مانع من جوابها ؛ ولذلك يقولون: حرف امتناع لوجود .