والله سبحانه يثبت رسوله صلى الله عليه وسلم بتوكيد هذه الحقيقة. وفيها تثبيت كذلك للدعاة من بعده ، مهما لاقوا من عنت الشاردين عن الطريق!
{وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} ..
ونص هذه الآية هنا يحتمل أحد مدلولين:
أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك تسألون عنه يوم القيامة ، فلا حجة بعد التذكير.
أو أن هذا القرآن يرفع ذكرك وذكر قومك. وهذا ما حدث فعلاً..
فأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإن مئات الملايين من الشفاه تصلي وتسلم عليه ، وتذكره ذكر المحب المشتاق آناء الليل وأطراف النهار منذ قرابة ألف وأربع مئة عام. ومئات الملايين من القلوب تخفق بذكره وحبه منذ ذلك التاريخ البعيد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأما قومه فقد جاءهم هذا القرآن والدنيا لا تحس بهم ، وإن أحست اعتبرتهم على هامش الحياة. وهو الذي جعل لهم دورهم الأكبر في تاريخ هذه البشرية. وهو الذي واجهوا به الدنيا فعرفتهم ودانت لهم طوال الفترة التي استمسكوا فيها به. فلما أن تخلوا عنه أنكرتهم الأرض ، واستصغرتهم الدنيا ؛ وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك ، بعد أن كانوا قادة الموكب المرموقين!
وإنها لتبعة ضخمة تسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه ، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة ، إذا هي تخلت عن الأمانة: {وسوف تسألون} ..
وهذا المدلول الأخير أوسع وأشمل. وأنا إليه أميل.
{واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟} ..
والتوحيد هو أساس دين الله الواحد منذ أقدم رسول. فعلام يرتكن هؤلاء الذين يجعلون من دون الرحمن آلهة يعبدون؟
والقرآن يقرر هذه الحقيقة هنا في هذه الصورة الفريدة.. صورة الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الرسل قبله عن هذه القضية: {أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟} وحول هذا السؤال ظلال الجواب القاطع من كل رسول. وهي صورة طريفة حقاً. وهو أسلوب موح شديد التأثير في القلوب.