والمعنى: فلما أغضبنا فرعون وقومه مسند الغضب، بالإفراط في العناد والعصيان، وغضب الله نقيض الرضى، أو إرادة الانتقام، أو تحقيق الوعيد، أو الأخذ الأليم، أو البطش الشديد، أو هتك الأستار والتعذيب بالنار، أو تغيير النعمة، وقيل: المعنى: أغضبوا رسولنا موسى عليه السلام. بتكذيبه وعدم طاعته {انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي: أردنا أن نعجل لهم انتقامنا وعذابنا، وأن لا نحلم عنهم، وفي"كشف الأسرار": أحللنا بهم النقمة والعذاب {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} في"البحر"، تفسير للانتقام؛ أي: فأهلكناهم المطاع والمطيعين له {أَجْمَعِينَ} بالإغراق في اليم، لم نترك منهم أحدًا، وإنما أهلكوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به، وهو الماء في قوله: {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} .
أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في"الشعب"، وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه .. فإنما ذلك استدراج منه له"، وقرأ: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) } .
56 - {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا} ؛ أي: قدوة لمن عمل بعلمهم من الكفار، في استحقاق العذاب ككفار قومك.
وقرأ الجمهور: {سَلَفًا} بفتح السين واللام جمع سالف، كخدم وخادم وحرس وحارس، يعني: اسم جمع له؛ لأن فَعَلًا ليس من أبنية المجموع المكسرة، قال ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة؛ أي: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. وقرأ أبو عبد الله. وأصحابه، وسعيد بن عياض والأعمش وطلحة والأعرج وحمزة والكسائي: {وسلفا} بضم السين وضم اللام جمع سليف، كسرر وسرير، وقال أبو حاتم: هو جمع سلف، كخشب وخشب، وقرأ علي وابن مسعود ومجاهد وأبو وائل والنخعي وحميد بن قيس والأعرج أيضًا {وسلفا} بضم السين وفتح اللام جمع سلفة، كغرفة وغرف، وهي الفرقة المتقدمة والقطيعة من الناس.