ولما تضمن هذا أنه غير مهان ، صرح به على وجه الحصر قصر قلب لمن يدعي أنه مقصور على الإلهية فقال: {إن} أي ما {هو} أي عيسى عليه الصلاة والسلام {إلا عبد} وليس هو بإله {أنعمنا} أي بما لنا من العظمة والإحسان {عليه} أي بالنبوة والإقدار على الخوارق {وجعلناه} بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته {مثلاً} أي أمراً عجيباً مع وضوحه وجلائه فيه خفاء وموضع شبهة بأن جعلناه من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ليضل بذلك من يقف مع المحسوسات ، ودللنا على الحق فيه بما منحنا به من الخوارق وزكاء الأخلاق وطيب الشيم والإعراق إسعاداً لمن أعليناه بنور قلبه وصفاء لبه إلى إحسان النظر في المعاني {لبني إسرائيل} الذين هم أعلم الناس به ، بعضهم بالمشاهدة وبعضهم بالنقل القريب ، فلما جاءهم على تلك الحالة الجلية في كونها حقاً بما كان على يديه ويدي أمه من الكرامات ، آمن به من بصره الله منه بالحق من أمره بما كان فيه من الكرامات ، وكان كلما رأى رجلاً منهم على منهاجه في أعماله وكرامته اهتدى إلى الحق من أمره ، وقال: هذا مثله عيسى عليه الصلاة والسلام فانتفع بالنبي ومن تبعه بإحسان ، فنال من الله الرضوان ، وقال أيضاً هذا الموفق مستبصراً في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام: مثله في ذلك مثل أبيه آدم عليه الصلاة والسلام في إخراجه من أنثى بلا ذكر ، بل آدم عليه الصلاة والسلام أعجب ، ومثل ابن خالته يحيى وجده إسحاق عليهما الصلاة والسلام في إخراج كل منهما بسبب هو في غاية الضعف ، هذه أمثاله الحسنة وقال من أراد الله به الضلال منهم غير ذلك من المحال ، فلما جعلوا له أمثال السوء ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة ، وقال ابن برجان: خصهم - أي بني إسرائيل - بالذكر لأنهم المفتونون بالدجال المسارعون إليه ، ثم قال: وإنما المثل في ذلك متى جاء الدجال بتلك الآيات يدعو إلى نفسه فيعارض ما يأتي به عيسى عليه الصلاة والسلام من إحياء الموتى وتأييده