{وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب} أي يصيرون إليه فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك فِي أشد العذاب، وقد يراد بالرد الرجوع إلى ما كانوا فيه كما فِي قوله تعالى: {فرددناه إلى أُمّهِ} [القصص: 3 1] وكأنهم كانوا فِي الدنيا، أو فِي القبور فِي أشد العذاب أيضاً فردوا إليه، والمراد به الخلود فِي النار وأشديته من حيث إنه لا انقضاء له، أو المراد أشد جميع أنواع العذاب ولكن بالنسبة إلى عذاب من لم يفعل هذا العصيان لأن عصيانهم أشد من عصيان هؤلاء وجزاء سيئة سيئة مثلها ويدل على ما قررناه قوله تعالى: {مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ} فلا يرد ما أورده الإمام الرازي أنه كيف يكون عذاب اليهود أشد من الدهرية المنكرين للصانع ولا يفيد ما قيل لأنهم كفروا بعد معرفتهم إنه كتاب الله تعالى وإقرارهم وشهادتهم إذ الكافر الموحد كيف يقال إنه أشد عذاباً من المشرك؟ ا أو النافي للصانع وإن كان كفره عن علم ومعرفة، وضمير (يردون) راجع إلى (مَنْ) وأوثر صيغة الجمع نظراً إلى معناها بعد ما أوثر الإفراد نظراً إلى لفظها لما أن الرد إنما يكون بالاجتماع وغير السبك حيث لم يقل مثلا وأشد العذاب يوم القيامة للايذان بكمال التنافي بين جزاءي النشأتين، وتقديم اليوم على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من أول الأمر، وقرأ الحسن وابن هرمز باختلاف عنهما، وعاصم فِي رواية المفضل تردون على الخطاب، والجمهور على الغيبة، ووجه ذلك أن (يردون) راجع إلى من يفعل فمن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة (مَنْ) ومن قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى دخوله فِي (منكم) لا أن الضمير حينئذ راجع إلى (كُمْ) كما وهم
{وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} اعتراض وتذييل لتأكيد الوعيد المستفاد مما قبله أي إنه بالمرصاد لا يغفل عما تعملون من القبائح التي من جملتها هذا المنكر؛ والمخاطب به من كان مخاطباً بالآية قبل، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم تعنون بهذا يا أمة محمد وبما يجري مجراه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر يعملون بالياء على أن الضمير لمن والباقون بالتاء من فوق. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 311 - 315}