فتأمل ، وقيل: المراد بالعبادة التذلل والخضوع بالتسخير ، وظاهر أن الكل عابدون إياه تعالى بذلك المعنى لا فرق بين مؤمن ، وكافر ، وبر ، وفاجر ، ونحوه ما قيل: المعنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليذلوا لقضائي ، وقيل: المعنى ما خلقتهم إلا ليكونوا عباداً لي ، ويراد بالعبد العبد بالايجاد وعموم الوصف عليه ظاهر لقوله تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِى السماوات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً} [مريم: 93] لكن قيل عليه: إن عبد بمعنى صار عبداً ليس من اللغة في شيء ، وقيل: العبادة بمعنى التوحيد بناءاً على ما روي عن ابن عباس أن كل عبادة في القرآن فهو توحيد فالكل يوحدونه تعالى في الآخرة أما توحيد المؤمن في الدنيا هناك فظاهر ، وأما توحيد المشرك فيدل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وعليه قول من قال: لا يدخل النار كافر ، أو المراد كما قال الكلبي: إن المؤمن يوحده في الشدة والرخاء والكافر يوحده سبحانه في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ، كما قال عز وجل: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [العنكبوت: 65] ولا يخفى بعد ذلك عن الظاهر والسياق ، ونقل عن على كرم الله تعالى وجهه ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما خلقتهم إلا لآمرهم وأدعوهم للعبادة فهو كقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله} [البينة: 5] فذكر العبادة المسببة شرعاً عن الأمر أو اللازمة له ، وأريد سببها أو ملزومها فهو مجاز مرسل ، وأنت تعلم أن أمر كل من أفراد الجن وكل من أفراد الإنس غير متحقق لا سيما إذا كان غير المكلفين كالأطفال الذين يموتون قبل زمان التكليف داخلين في العموم ، وقال مجاهد: إن معنى {لِيَعْبُدُونِ} ليعرفون وهو مجاز مرسل أيضاً من إطلاق اسم السبب على المسبب على ما في