والأظهر في إعرابه أنه مبتدأ وخبر على عادة العرب في تكريرهم اللفظ وقصدهم الإخبار بالثاني عن الأول ، يعنون أن اللفظ المخبر عنه هو المعروف خبره الذي لا يحتاج إلى تعريف ومنه قول أب النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري... لله درى ما أجن صدري
فقوله: وشعري شعري يعني شعري هو الذي بلغك خبره ، وانتهى إليك وصفه.
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)
وقوله: ثلة: خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير ، هم ثلة ، والثلة الجماعة من الناس ، وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل ، وهو الكسر.
وقال الزمخشري: والثلة من الثل ، وهو الكسر ، كما أن الأمة من الأم وهو الشبح ، كأنها جماعة كسرت من الناس ، وقطعت منهم. اهـ. منه.
واعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة ، ومنه قول الشاعر:
فجاءت إليهم ثلة خندفية... بجيش كتيار من السيل مزيد
لأن قوله: تيار من السيل: يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة.
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين ، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا ، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين} [الواقعة: 39 - 40] . فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة ، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة.
وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله صلى الله عليه وسلم"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم"الحديث. والذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة ، قالوا: إنما المراد بالقليل ، وثلة من الآخرين ، وهم من بعد ذلك إلى قيام الساعة.
وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة ، والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة.