تضمنت هذه الآية الكريمة برهاناً قاطعاً ثانياً على البثع وامتناناً عظيماً على الخلق بخلق أرزاقهم لهم ، فقوله تعالى: {أَرَءَيْتُمْ مَّا تَحُرثُونَ} ، يعني أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها أي تحريكها وتسويتها أأنتم تزرعونه ، أي تجعلونه زرعاً ، ثم تمنونه إلى أن يصير مردكاً صالحاً للأكل أم نحن الزارعون له ، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا هو الزراع المنبت ، ونحن لا قدرة لنا على ذلك ، فيقال لهم: كل عاقل: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا النسبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم ، وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث ، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى} [فصلت: 39] وقوله تعالى: {فانظر إلى آثَارِ رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْيِيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] ، وقوله تعالى: {حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 75] .
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة ، وقد قدمناها مستوفاة مع سائر آيات براهين البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية ، وغير ذلك من المواضع ، وأحلنا عليها مراراً.
تنيبه