وروى الإمام أحمد عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول:
جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن الحوض وذكر الجنة، ثم قال الأعرابي فيها فاكهة. قال: نعم، وفيها شجر تدعى طوبى. قال: فذكر شيئا لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليست تشبه شيئا من شجر أرضك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتيت الشام؟ قال: لا. قال: تشبه شجرة بالشام تدعى
الجوزة، تنبت على ساق واحد وينفرش أعلاها. قال: عظم العنقود؟ (أي: في شجرة طوبى) قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر. قال: ما عظم أصلها؟
قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما.
قال: فيها عنب؟ قال: نعم. قال: فما عظم الحبة؟ قال: هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما، قال: نعم. قال: فسلخ إهابه فأعطاه أمك، فقال: اتخذي لنا منه دلوا؟. قال: نعم. قال: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: نعم وعامة عشيرتك).
أقول: من قوله عليه الصلاة والسلام: «إنه عرضت علي الجنة ... فتناولت قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه» فهمت أن الجنة غيب من الغيب، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها عند ما دنت له، ولم يرها غيره، وإذ كانت الجنة جزءا من السماء السابعة فهذا يفيد أن السموات السبع غيب من الغيب. فهذا الحديث أحد أدلتي فيما ذهبت إليه في هذا التفسير أن السموات السبع التي أخبرنا عنها القرآن سماوات غيبية محجوبة عن الإنسان، فهي موجودة ولكنها مغيبة عنا، والسماء المرئية لنا هي السماء اللغوية فكل ما علاك فهو سماء، وندر من الناس من يعرف كيف يحمل لفظ السماء إذا ورد في كتاب أو سنة، فقد يرد ويراد به مطلق العلو، وقد يرد ويراد به السحاب، وقد يرد ويراد به مجرات هذا الكون، وقد يرد ويراد به السموات السبع.