عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)
التفسير:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أي: المتدثر فأدغمت التاء بالدال، والمتدثر: هو المتلفف بثيابه من الدثار، وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار: هو الثوب الذي يلي الجسد
قُمْ فَأَنْذِرْ أي: قم من مضجعك، أو قم قيام عزم وتصميم فأنذر، أي: فحذر قومك من عذاب الله، إن لم يؤمنوا، أو فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد. قال النسفي: قيل سمع من قريش ما كرهه فتغطى بثوبه مفكرا كما يفعل المغموم، فقيل له يا أيها الصارف أذى الكفار عن نفسك بالدثار قم فاشتغل بالإنذار وإن آذاك الفجار، وقال ابن كثير في الآية: أي: شمر عن ساعد العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول - أي: بقوله تعالى: اقرأ - النبوة.
أقول: وإذن فهذه أول آية أمرته صلى الله عليه وسلم بالإنذار، ومن ثم بدأت بهذه الآية رسالته إلى الناس، كما بدأت بالآية الأولى نبوته
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ قال ابن كثير: أي:
عظم، وقال النسفي: أي: واختص ربك بالتكبير وهو التعظيم أي: لا يكبر في عينك غيره، وقل عند ما يوعدك غير الله: الله أكبر ... وقد يحمل على تكبير الصلاة، ودخلت الفاء (أي: على قوله تعالى: فكبر) لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما كان فلا تدع تكبيره.
أقول: إن الأمر بالتعظيم في سياق الأمر بالإنذار إشعار بأنه بدون تعظيم كامل لله في
القلب لا تتأتى عملية الإنذار
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي: فليكن ما يظهر منك للناس من فعل أو مظهر طاهرا حتى لا يؤثر ذلك على عملية الإنذار، فإن الناس إذا رأوا أي شين في الداعية كرهوا لذلك دعوته، وعابوه، فرفضوا قبول دعوته، وسنرى في الفوائد أن أقوال المفسرين كلها تدور حول أن المراد بذلك إما طهارة النفس، أو طهارة اللباس، أو كلاهما، ومجيء هذا الأمر في سياق الإنذار يشير إلى هذا الذي ذكرناه، حتى قال الحسن البصري في الآية: أي: وخلقك فحسن، فما لم يكن الداعية نقي الظاهر والباطن، دقيق الأخذ والعطاء، سلوكه فوق النقد في كل الأمور، فإن إنذاره لا يكون مجديا كل الجدوى