وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَا رَأَيْتُهُ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ يَضْرِبُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ أَيْضًا: هُمَا سَاقَا الْإِنْسَانِ إِذَا التفتا في الكفن.
وقال زيد ابن أَسْلَمَ: الْتَفَّتْ سَاقُ الْكَفَنِ بِسَاقِ الْمَيِّتِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: مَاتَتْ رِجْلَاهُ وَيَبِسَتْ سَاقَاهُ فَلَمْ تَحْمِلَاهُ، وَلَقَدْ كَانَ عَلَيْهِمَا جَوَّالًا.
قَالَ النَّحَّاسُ: القول الأول أحسنها.
وروى علي ابن أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) قَالَ: آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْآخِرَةِ، فَتَلْتَقِي الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إِلَّا مَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَيْ شِدَّةُ كَرْبِ الْمَوْتِ بِشِدَّةِ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ)
وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: بَلَاءٌ بِبَلَاءٍ.
يَقُولُ: تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدَائِدُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ شَدِيدَانِ: النَّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَذْكُرُ السَّاقَ إِلَّا فِي الْمِحَنِ
وَالشَّدَائِدِ الْعِظَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: قَامَتِ الدُّنْيَا عَلَى سَاقٍ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقٍ
وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آخِرِ سُورَةِ (ن وَالْقَلَمِ) .
وَقَالَ قَوْمٌ: الْكَافِرُ تُعَذَّبُ رُوحُهُ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ السَّاقُ الْأُولَى، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمَا سَاقُ الْبَعْثِ وَشَدَائِدُهُ (إِلى رَبِّكَ) أَيْ إِلَى خَالِقِكَ (يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (الْمَساقُ) أَيِ الْمَرْجِعُ.
وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ قَالَ: يَسُوقُهُ مَلَكُهُ الَّذِي كَانَ يَحْفَظُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتِ.
وَالْمَسَاقُ: الْمَصْدَرُ مِنْ سَاقَ يَسُوقُ، كَالْمَقَالِ مِنْ قَالَ يَقُولُ. انتهى انتهى {تفسير القرطبي} ...