لقد سمع المسلمون من محمد المعصوم عن الخطأ في التبليغ"فتبينوا"و"فتثبتوا"في قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) بالباء والياء والنون.
وسمعوها منه"فتثبتوا"بالتاء والثاء والباء والتاء وكلا القراءتين قرآن موحى به من عند الله. وليس كما توهم جولد تسيهر، إنهما قراءتان ناشئتان عن الاضطراب الحاصل من خلو كلمات المصحف من النقط والشكل في أول أمره؟.
والقراءتان، وإن اختلف لفظاهما، فإن بين معنييهما علاقة وثيقة، كعلاقة ضوء الشمس بقرصها: لأن التبين، وهو المصدر المتصيد من"فتبينوا"هي التفحص والتعقب في الخبر الذي يذيعه الفاسق بين الناس، وهذا البَين هو الطريق الموصل للتثبت. فالتثبت هو ثمرة التبين. ومن تبيَّن فقد تثبت. ومن تثبت فقد تبين.
فما أروع هذه القراءات، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، إن قراءات القرآن لهى وجه شديد الإشراق من وجوه إعجاز القرآن، وإن كره الحاقدون.
وكما سمع المسلمون من فم محمد، الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم في الآية السابقة:"فتبينوا"و"فتثبتوا"سمعوا منه كذلك،"يُفَصِّل"و"نُفصِّلُ"في قوله تعالى:
(ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) (12) .
و"نفصل الآيات"
وفاعل الفصل في القراءتين واحد هو الله عز وجل:
وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين، فهو في القراءة الأولى"يفَصِّل"ضمير مستتر عائد على الله عز وجل في قوله:
(ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أي يفصل هو الآيات. فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد"الله".
وفى القراءة الثانية عُبِّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم"نُفَصِّل"أي نفصل نحن.
والله واحد أحد، ولكن النون في"نفصل"لها معنى في اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغةً تنزيل الفرد منزلة"الجماعة"تعظيمًا لشأنه، وإجلالاً لقدره.
وفى هاتين القراءتين تكثير للمعنى، وهو وصف ملازم لكل القراءات.
وللبلاغيين إضافة حسنة في قراءة"نفصل"بعد قوله:"ما خلق الله .."هي الانتقال من الغيبة في"ما خلق الله"إلى المتكلم في"نفصل"للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.