هذا هو منهجه في إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله، إلى كونها أوهامًا كان سببها نقص الخط العربي الذي كتب به المصحف أولاً عن تحقيق الألفاظ من حيث حروفها ومن حيث كيفية النطق بها. واقتفى أثره كثير من المبشرين والمستشرقين.
الرد على هذه الشبهة:
لقد حظى كتاب الله العزيز بعناية منقطعة النظير، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته. ومن الحقائق الراسخة رسوخ الجبال أن طريق تَلَقِّى القرآن كان هو السماع الصوتي.
-سماع صوتي من جبريل لمحمد عليهما السلام.
-وسماع صوتي من الرسول إلى كتبة الوحي أولاً وإلى المسلمين عامة.
-وسماع صوتي من كتبة الوحي إلى الذين سمعوه منهم من عامة المسلمين.
-وسماع صوتي حتى الآن من حفظة القرآن المتقنين إلى من يتعلمونه منهم من أفراد المسلمين.
هذا هو الأصل منذ بدأ القرآن ينزل إلى هذه اللحظة وإلى يوم الدين، في تلقى القرآن من مرسل إلى مستقبل.
وليست كتابة القرآن في مصاحف هي الأصل، ولن تكون. القرآن يجب أن يُسمع بوعي قبل أن يقرأ من المصحف، ولا يزال متعلم القرآن في أشد الحاجة إلى سماع القرآن من شيوخ حافظين متقنين، وفي القرآن عبارات أو كلمات مستحيل أن يتوصل أحد إلى نطقها الصحيح عن مجرد القراءة في المصحف، ولو ظل يتعلمها وحده أيامًا وأشهرا.
وبهذا تهوى الأفكار التي أرجع إليها جولد تسيهر نشأة القراءات إلى الحضيض، ولا يكون لها أي وزن في البحث العلمي المقبول؛ لأن المسلمين من جيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان لم يتعلموا القرآن عن طريق الخط العربي من القراءة في المصاحف، وإنما تعلموه سماعًا واعيًا ملفوظًا كما خرج من فم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قيض الله لكتابه شيوخًا أجلاء حفظوه وتلوه غضًا طريًا كما كان صاحب الرسالة يحفظه ويتلوه كما سمعه من جبريل أمين الوحي.
أجل .. كان سيكون لأفكار جولد تسيهر وجه من الاحتمال لو كان المسلمون يأخذون القراءة قراءة من مصاحف. أما وقد علمنا أن طريق تلقى القرآن هو السماع الموثق، فإن أفكار جولد تسيهر تذهب هباء في يوم ريح عاصف.
ثانيًا: إن القراءات الصحيحة مسموعة من جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسموعة من محمد صلى الله عليه وسلم لكتبة الوحي، ومسموعة من محمد ومن كتبة الوحي لعموم المسلمين في صدر الإسلام الأول، ثم شيوخ القرآن في تعاقب الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها.