وفي كتاب ابن عطية: وقرأ أبو العالية {إنّ علينا جَمْعَه وقرتَه. فإذا قرته فاتبع قرته} بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثلاثة، ولم يتكلم على توجيه هذه القراءة الشاذة. ووجه اللفظ الأول: إنّه مصدر؛ أي: إنّ علينا جمعه وقراءته، فنقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة وحذفها، فبقي {قرته} ، كما ترى.
وأما الثاني فإنّه فعل ماض، أصله: فإذا قرأته؛ أي: أردت قراءته، فسكن الهمزة فصار قرأته ثم حذف الألف على جهة الشذوذ كما حذفت في قول العرب: ولو تر ما الصبيان يريدون، ولو ترى ما الصبيان، و (ما) زائدة. وأما اللفظ الثالث فتوجيهه توجيه اللفظ الأول؛ أي: فإذا قرأته؛ أي: أردت قراءته فاتبع قراءته بالدرس أو بالعمل.
وذكر أبو عبد الله الرازي في"تفسيره": أن جماعةً من قدماء الروافض زعموا أنَّ القرآن قد غيّر، وبدل، وزيد فيه، ونقص منه، وأنهم احتجوا بأنه لا مناسبة بين هذه الآيات وما قبلها، ولو كان التركيب من الله تعالى ما كان الأمر كذلك. ثمّ ذكر الرازي مناسبات على زعمه يوقف عليها في كتابه، ويظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه تعالى لما ذكر منكر القيامة والبعث معرضًا عن آيات الله تعالى ومعجزاته، وأنه قاصر شهواته على الفجور غير مكترث بما يصدر منه ذكر حال من يثابر على تعلم آيات الله وحفظها وتلقفها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها، فظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات الله، ومن يرغب عنها، وبضدها تتميز الأشياء. ولما كان - صلى الله عليه وسلم - لمثابرته على ذلك كان يبادر للتحفظ بتحريك لسانه أخبره تعالى بأنّه يجمعه له ويوضحه.
20 -ولما فرغ من خطابه - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى حال الإنسان السابق ذكره المنكر للبعث، وأنَّ همه إنما هو في تحصيل حطام الدنيا الفاني لا في تحصيل ثواب الآخرة الباقي؛ إذ هو منكر لذلك. فقال: {كَلَّا} ردع للإنسان السابق عن الاغترار بالعاجل. {بَلْ تُحِبُّونَ} أيها الناس {الْعَاجِلَةَ} ؛ أي: تحصيل حطام الدنيا العاجلة، وترغبون في جمعها.
21 - {وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) } ؛ أي: وتتركون الاستعداد لها بالإيمان بالله ورسوله وبالإكثار من العبادات.