فهرس الكتاب
كل ما روي عن ابن عباس في تلك الشبهات يمكن دفعه دفعًا عامًا بأن ابن عباس قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وهما كانا في جمع المصاحف. وزيد بن ثابت كان في جمع أبي بكر أيضًا. وكان كاتب الوحي، وكان يكتب ما يكتب بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإقراره. وابن عباس كان يعرف ذلك ويوقن به، فمحال إذن أن ينطق لسانه بكلمة تحمل رائحة اعتراض على جمع ورسم القرآن، وإلا فكيف يأخذه عن زيد وأبي بن كعب ثم يعترض على جمعهما ورسمهما؟!.
وإليك الوجوه:
الوجه الأول: أن هذا كان على سبيل التفسير.
عن ابن عباس أنه فسر {تَسْتَأْنِسُوا} فقال: أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها يعني أصحاب البيوت.
الوجه الثاني: المقصود بالخطأ عدم اختيار الأولى.
أجاب ابن أشته عن جميع ذلك بأن المراد: الخطأ في الاختيار، وترك ما هو الأولى بحسب ظنه - رضي الله عنه - لجميع الناس عليه من الأحرف السبعة؛ لأن الذي كُتب خطأ خارج عن القرآن.
واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال: هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري، ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ما ذُكر خلاف ظاهر كلامه، وأيضًا ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة - رضي الله عنهم - على خلافه، مما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العرضة الأخيرة بعيد، وكأنهم رأوا أن التزام ذلك أهون من إنكار ثبوت الخبر عن ابن عباس مع تعدد طرقه وإخراج الضياء إياه في مختارته، ويشجع على هذا الإنكار اعتقاد جلالة ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وثبوت الإجماع على تواتر خلاف ما يقتضيه ظاهر كلامه فتأمل.
الوجه الثالث: أنه معارض للقاطع المتواتر.
وهو قراءة: تستأنسوا، والقاعدة: أن معارض القاطع ساقط، وأن الرواية متى خالفت رسم المصحف فهي شاذة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها.
واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر؛ لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل.
الوجه الرابع: أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في الاجتهاد.