وقد حكم الله تعالى عليهم بأربعة أحكام: أولها أنهم ما يأكلون من الثمن الذي أخذوه إلا النار تلهب بطونهم، وقوله (مَا يَأكلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) مجاز فيه عبر عن حالهم بالمآل الذين يئولون إليه، فعبر سبحانه عن حالهم في الثمن الذي أخذوه شرها، طمعا وإيثارا للباطل، وتركا للحق بأنهم أكلوا نارا، نزلت في بطونهم وألهبتها ومزقت لحومهم، واختار التعبير بكون النار في بطونهم؛ لأن المال الباطل يطلب لأجل شهوة البطن وملذاتها والتعبير عن الجزء وإرادة الكل إذ المراد أن النار تعمهم، وتشمل كل أجزائهم، ولكن عبر بالجزء؛ لأن ذلك الجزء له مزيد من الاختصاص؛ لأن شهوتهم وشرههم هو الذي جعلهم يختارون ذلك الثمن الحقير وإن كان كبيرا فإن الذي تركوه من الحق أكبر وأعظم وهو الحق الذي كتموه.
والعقاب الثاني: أنهم ينالهم غضب الله تعالى، وغضب الله الواحد القهار فيه إيلام لأهل الضمائر وإنذار شديد لأهل الشر، لأنه غضب المقتص الجبار الذي لا يفلت منه أثيم، ولا تنفع عنده شفاعة الشافعين، ولا يغني أمامه سبحانه وتعالى شى في الوجود مهما يكن ومهما تكن صلته، (الأَخِلَّاءُ يوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. . .) .
والعقاب الثالث: أن الله تعالى لَا يزكيهم أي لَا يطهرهم من ذنوبهم فإنهم في كون الجزاء، لَا يخفف عنهم ولا يرجعون، يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا، ولكن لا يعودون، ولا يخرجون من النار التي تحيط بهم.
والعقاب الرابع: أن لهم عذابا أليما أي مؤلما، نتيجة لغضب الله تعالى، وعبر سبحانه وتعالى عن غضبه عليهم بأنه لَا يكلمهم، وكأنه يقول لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون.