فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 180

قال القرطبي:

وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بَعْدَ (رَبِّ الْعالَمِينَ) بِأَنَّهُ (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي اتِّصَافِهِ بِـ (رَبِّ الْعالَمِينَ) تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِـ (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ، لِيَجْمَعَ فِي صِفَاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنْهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَمْنَعَ، كَمَا قَالَ: (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ) وَقَالَ:"غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ)."

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) . اهـ (تفسير القرطبي) .

* فإن قيل: إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية ثم ذكرهما مرة ثانية دون الأسماء الثلاثة الباقية، فما الحكمة في ذلك؟

أجيب بأن الحكمة في ذلك كأنه قال تعالى: أذكر أني إله ورب مرة واحدة وأذكر أني رحمن رحيم مرتين ليعلم أن العناية بالرحمة أكثر منه بسائر الأمور. اهـ (السراج المنير) .

وقال القاسمي:

إيرادهما عقب وصف الربوبية من باب قرن الترغيب بالترهيب الذي هو أسلوب التنزيل الحكيم. اهـ (تفسير القاسمي) .

قال السهيلي:

وفائدة الجمع بين الصفتين - أعني (الرحمن الرحيم) - وإن كانتا جميعًا من الرحمة، الإنباء عن رحمة عاجلة، ورحمة آجلة، أو عن رحمة عامة وأخرى خاصة، حاصلتين لقارئ القرآن والله أعلم. اهـ (نتائج الفكر، للسهيلي) .

وقال ابن عرفة:

قوله تعالى: {الرحمن الرحيم}

قدم أولا الوصف بـ (رَبّ العَالمِينَ) تنبيها على أصل النشأة، وأنه هو الخالق المبدئ، ثم ثنى بحال الإنسان فِي الدّنيا من النعم والإحسان، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك. اهـ {تفسير ابن عرفة}

وقال أبو السعود:

{الرحمن الرحيم} صفتان لله، فإن أريد بما فيهما من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يَفيضُ على الكل بعد الخروج إلى طوْر الوجودِ من النعم، فوجهُ تأخيرِهما عن وصف الربوبية ظاهر، وإن أريد ما يعمّ الكلَّ فِي الأطوار كلِّها حسبما فِي قوله تعالى: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء} فوجهُ الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة للرحمة، فإيرادُهما فِي عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضلٌ فيها، فاعلٌ بقضية رحمتِه السابقةِ من غير وجوبٍ عليه، وبأنها واقعةٌ على أحسنِ ما يكون، والاقتصارُ على نعته تعالى بهما فِي التسمية لما أنه الأنسبُ بحال المتبرِّك المستعين باسمه الجليل، والأوفقُ لمقاصده. اهـ {تفسير أبي السعود} .

وقال صاحب المنار:

(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

تَقَدَّمَ مَعْنَاهُمَا وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي إِعَادَتِهِمَا، وَالنُّكْتَةُ فِيهَا ظَاهِرَةٌ وَهِيَ أَنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعَالَى لِلْعَالَمِينَ لَيْسَتْ لِحَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِمْ كَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ وَشُمُولِ إِحْسَانِهِ. وَثَمَّ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْبَعْضَ يَفْهَمُ مِنْ مَعْنَى الرَّبِّ: الْجَبَرُوتَ وَالْقَهْرَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ لِيَجْتَمِعُوا بَيْنَ اعْتِقَادِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، فَذَكَرَ الرَّحْمَنَ وَهُوَ الْمُفِيضُ لِلنِّعَمِ بِسَعَةٍ وَتَجَدُّدٍ لَا مُنْتَهَى لَهُمَا، وَالرَّحِيمُ الثَّابِتُ لَهُ وَصْفُ الرَّحْمَةِ لَا يُزَايِلُهُ أَبَدًا. فَكَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَتَحَبَّبَ إِلَى عِبَادِهِ، فَعَرَّفَهُمْ أَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ رُبُوبِيَّةُ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ لِيَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الَّتِي رُبَّمَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَعْنَى الصِّفَاتِ، وَلِيَتَعَلَّقُوا بِهِ وَيُقْبِلُوا عَلَى اكْتِسَابِ مَرْضَاتِهِ، مُنْشَرِحَةً صُدُورُهُمْ، مُطْمَئِنَّةً قُلُوبُهُمْ، وَلَا يُنَافِي عُمُومُ الرَّحْمَةِ وَسَبْقُهَا مَا شَرَعَهُ اللهُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَعَدَّهُ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ لِلَّذِينِ يَتَعَدَّوْنَ الْحُدُودَ، وَيَنْتَهِكُونَ الْحُرُمَاتِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سُمِّيَ قَهْرًا بِالنِّسْبَةِ لِصُورَتِهِ وَمَظْهَرِهِ فَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ وَغَايَتِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْبِيَةً لِلنَّاسِ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنِ الْوُقُوعِ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَفِي الِانْحِرَافِ عَنْهَا شَقَاؤُهُمْ وَبَلَاؤُهُمْ، وَفِي الْوُقُوفِ عِنْدَهَا سَعَادَتُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، وَالْوَالِدُ الرَّءُوفُ يُرَبِّي وَلَدَهُ بِالتَّرْغِيبِ فِيمَا يَنْفَعُهُ وَالْإِحْسَانِ عَلَيْهِ إِذَا قَامَ بِهِ، وَرُبَّمَا لَجَأَ إِلَى التَّرْهِيبِ وَالْعُقُوبَةِ إِذَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْحَالُ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. اهـ {تفسير المنار} .

لطيفة

قال فِي ملاك التأويل:

قوله تعالى:"الرحمن الرحيم"فيها سؤال واحد وهو أن يقول القائل: ما وجه الفصل بهاتين الصفتين العليتين من قوله: (الرحمن الرحيم) بين الصفتين المقتضيتين ملك الدارين بما فيها وهما (رب العالمين) (ملك يوم الدين) من حيث إن الحمد لله رب العالمين يتضمن أن لا رب سواه فهو ملك الكل فقد كان المطابق لهذا [[اتصال] ] ملك يوم الدين به حتى يقع وصفه بملك الدارين جميعًا وبالانفراد فيهما بالخلق والأمر والحكم كما هو وكما ورد فِي قوله تعالى: (له الحمد فِي الأولى والآخرة) فالجاري مع هذا أن لو قيل: الحمد لله رب العالمين ملك يوم الدين والفصل بالرحمن الرحيم مما يكسر هذا الغرض فما وجه ذلك؟

والجواب عن ذلك: أنه تعالى خصص هذه الأمة بخصائص الاعتناء والتكريم، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم والمصطفى من كافة الخلق والتابع يشرف بشرف المتبوع وقد خاطبه تعالى بخطاب الرحمة والتلطف والاعتناء فقال تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) فقدم العفو بين يدي ما صورته العتب لئلا ينصدع قلبه صلى الله عليه وسلم، فكذلك تلطف لعباده من أمة هذا النبي الكريم وأمَّنهم من خوفهم وإشفاقهم من عرض أعمالهم وحسابهم فقال: (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين) لما كان تعالى قد وصف هذا اليوم بأنه يوم تشخص فيه الأبصار (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) قدم هنا تعريفهم بأنه (الرحمن الرحيم) وأنه ملك ذلك اليوم [[فآنس هذه الأمة كما آنس] ] نبيهم وذلك أبين شيء. اهـ {ملاك التأويل}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت