فهرس الكتاب
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
قال البيضاوي:
ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك، أي: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على الاختصاص، وللترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود، فكأن المعلوم صار عيانًا والمعقول مشاهدًا والغيبة حضورًا، بنى أول الكلام على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل فِي أسمائه والنظر فِي آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم قفى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة فيراه عيانًا ويناجيه شفاهًا.
اللهم اجعلنا من الواصلين للعين دون السامعين للأثر. اهـ {تفسير البيضاوي}
وقال البقاعي:
ولما استجمع الأمر استحقاقًا وتحبيبًا وترغيبًا وترهيبًا كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة {إياك} أي يا من هذه الصفات صفاته! {نعبد} إرشادًا لهم إلى ذلك؛ ومعنى {نعبد} كما قال الحرالي: تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررًا للضمير حثًا على المبالغة في طلب العون {وإياك نستعين} إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيدة: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة، فهو كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها: «أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك» ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله: «لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك» وفي آخر سورة (اقرأ) شرح بديع لهذا الحديث.
قال الحرالي: وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريًا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلًا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرًا منهم لطفًا بهم وإتمامًا للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي عبر عنها فيما صح عنه علية الصلاة والسلام من قوله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» ثم تلا هذه السورة؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمدًا وثناء وتمجيداَ، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عُهَد العبادة وهو ما يرجع إلى العبد وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيّته تعالى، لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شيء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبدًا، وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: {نعبد} بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى.
وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} . اهـ (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) .
(فصل)
قال ابن القيم:
فَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، الْجَامِعَةِ لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ، مَعَ الْخُضُوعِ لَهُ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ.
فَأَصْلُ الْعِبَادَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ، بَلْ إِفْرَادُهُ بِالْمَحَبَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْحُبُّ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَلَا يُحِبُّ مَعَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ لِأَجْلِهِ وَفِيهِ، كَمَا يُحِبُّ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَمَحَبَّتُنَا لَهُمْ مِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ، وَلَيْسَتْ مَحَبَّةً مَعَهُ، كَمَحَبَّةِ مَنْ يَتَّخِذُ مَنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ لَهُ هِيَ حَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ وَسِرَّهَا، فَهِيَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، فَعِنْدَ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَلِهَذَا جَعَلَ تَعَالَى اتِّبَاعَ رَسُولِهِ عَلَمًا عَلَيْهَا، وَشَاهِدًا لِمَنِ ادَّعَاهَا، فَقَالَ تَعَالَى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] فَجَعَلَ اتِّبَاعَ رَسُولِهِ مَشْرُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وَشَرْطًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، وَوُجُودُ الْمَشْرُوطِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ وُجُودِ شَرْطِهِ وَتَحَقُّقُهُ بِتَحَقُّقِهِ فَعُلِمَ انْتِفَاءُ الْمَحَبَّةِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمُتَابَعَةِ، فَانْتِفَاءُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ لَازِمٌ لِانْتِفَاءِ الْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وَانْتِفَاءُ الْمُتَابَعَةِ مَلْزُومٌ لِانْتِفَاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ إذًا ثُبُوتُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وَثُبُوتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ بِدُونِ الْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِهِ.
وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَطَاعَةُ أَمْرِهِ، وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي الْعُبُودِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَتَى كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُمَا فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْبَتَّةَ، وَلَا يَهْدِيهِ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .
فَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ طَاعَةَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ مَرْضَاةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ خَوْفَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَرَجَاءَهُ وَالْتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلَى خَوْفِ اللَّهِ وَرَجَائِهِ وَالْتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أَوْ مُعَامَلَةَ أَحَدِهِمْ عَلَى مُعَامَلَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَإِنْ قَالَهُ بِلِسَانِهِ فَهُوَ كَذِبٌ مِنْهُ، وَإِخْبَارٌ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ. اهـ (مدارج السالكين، لابن القيم) .
* ما فائدة تقديم المفعول في قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ؟
قال النيسابوري:
لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص، أي لا نعبد أحدا سواك والحاكم فيه الذوق السليم. واستحقاق هذا الاختصاص لله تعالى ظاهر، لأن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله تعالى.
وذلك أن للعبد أحوالا ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. أما الماضي فقد كان معدوما فأوجده (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) (أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ) (وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ) وكان جاهلا فعلمه (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ثم أسمعه وأبصره وأعقله (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) فهو إله بهذه المعاني.
وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول عمره إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمن رحيم من هذه الوجوه. وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق عبادة العبد إلا هو. وأيضا ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه تعالى عالما قادرا جوادا غنيا حكيما إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله سبحانه، وأيضا العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ وأمرأ.
ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، فعبوديته أولى، وأيضا كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه إفادة غيره. فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) . اهـ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) .
وقال ابن عجيبة:
قلت: (إياك) مفعول (نعبد) ، وقُدِّم للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر، ولذلك قال ابن عباس:
(نعبُدك ولا نعبد معك غيرَك) ، ولتقديم ما هو مقدَّمٌ في الوجود وهو الملك المعبود، وللتنبيه على أن العابدَ ينبغي أن يكون نظرُه إلى المعبود أولًا وبالذات، ومنه إلى العبادة، لا من حيث إنها عبادةٌ صدَرتْ عنه، بل من حيث إنها نِسْبَةٌ شريفة إليه، وَوُصْلَةٌ بينه وبين الحق، فإن العارف إنما يحقّ وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس، وغاب عما عداه، حتى إنه لا يلاحظ نفسَه ولا حالًا من أحوالها إلا من حيث إنها تَجَلٍّ من تجلياته ومظهرٌ لربوبيته، ولذلك فُضِّلَ ما حكى اللَّهُ عن حبيبه حين قال: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، على ما حكاه عن كليمه حيث قال: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أي: حيث صرّح بمطلوبه، و (إياك) مفعول (نستعين) وقدّم أيضًا للاختصاص والاهتمام، كما تقدم في إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وكرّر الضمير ولم يقل: إياك نعبد ونستعين لأن إظهارَه أبلغ في إظهار الاعتماد على الله، وأقطعُ في إحضار التعلق بالله والإقبال على الله وأمدحُ، ألا ترى أن قولك: بك أنتصر وبك أحتمي وبك أنال مطالبي- أبلغ وأمدح من قولك: بك أنتصر وأحتمي ... الخ؟.
وَقَدَّمَ العبادة على الاستعانة ليتوافق رءوس الآي، وليُعلمَ منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أَدْعَى إلى الإجابة، فإن مَنْ تَلبَّس بخدمة الملك وشرع فيها بحسب وُسْعَه، ثم طلب منه الإعانة عليها أجيب إلى مطلبه، بخلاف من كلّفه الملكُ بخدمته، فقال: أعطني ما يعينُني عليها، فهو سوء أدب، وأيضًا: من استحضر الأوصافَ العِظام ما أمكنه إلا المسارعةُ إلى الخضوع والعبادة، وأيضًا: لمّا نسبَ المتكلمُ العبادةَ إلى نفسه أوْهَمَ ذلك تبجحًا واعتدادًا منه بما يصدُر عنه فعقَّبه بقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دفعًا لذلك التوهم. اهـ (البحر المديد) .
(فائدة)
قال الإمام الفخر:
لَوْ قِيلَ نَعْبُدُكَ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ عِبَادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُشْرِكِينَ أَمَّا لما قال إياك نعبد أفاد أنهم يعبدونه وَلَا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ.
* هَذِهِ النُّونَ نُونُ الْعَظَمَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ مَتَّى كَنْتَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَا تَقُلْ نَحْنُ وَلَوْ كُنْتَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ الْعَبِيدِ، أَمَّا لَمَّا اشْتَغَلْتَ بِالصَّلَاةِ وَأَظْهَرْتَ الْعُبُودِيَّةَ لَنَا فَقُلْ نَعْبُدُ لِيَظْهَرَ لِلْكُلِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَبْدًا لَنَا كَانَ مَلِكَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
* لَوْ قَالَ إِيَّاكَ أَعْبُدُ لَكَانَ ذَلِكَ تَكَبُّرًا وَمَعْنَاهُ أَنِّي أَنَا الْعَابِدُ، أَمَّا لَمَّا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ كَانَ مَعْنَاهُ أَنِّي وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِكَ، فَالْأَوَّلُ تَكَبُّرٌ، وَالثَّانِي تَوَاضُعٌ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ.
* فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمْ قَائِمٌ فِي قَوْلِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ الْحَمْدِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِ اللَّهِ، فَإِذَا قُلْتَ لِلَّهِ فَقَدْ تَقَيَّدَ الْحَمْدُ بِأَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَمَّا لَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ «نَعْبُدُ» احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّ الْحَمْدَ لَمَّا جَازَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَمَا جَازَ لِلَّهِ، لَا جَرَمَ حسن تقدم الحمد، أما هاهنا فَالْعِبَادَةُ لَمَّا لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا جَرَمَ قَدَّمَ قَوْلَهُ (إِيَّاكَ) عَلَى (نَعْبُدُ) فَتَعَيَّنَ الصَّرْفُ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ احْتِمَالُ أَنْ تَقَعَ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
* كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِلْعَبْدِ لَمَّا أَثْنَيْتَ عَلَيْنَا بِقَوْلِكَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَفَوَّضْتَ إِلَيْنَا جَمِيعَ مَحَامِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُكَ عِنْدَنَا وَتَمَكَّنَتْ مَنْزِلَتُكَ فِي حَضْرَتِنَا، فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِصْلَاحِ مُهِمَّاتِكَ وَحْدَكَ، وَلَكِنْ أَصْلِحْ حَوَائِجَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
* كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: إِلَهِي مَا بَلَغَتْ عِبَادَتِي إِلَى حَيْثُ أَسْتَحِقُّ أَنْ أَذْكُرَهَا وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا مَمْزُوجَةٌ بِجِهَاتِ التَّقْصِيرِ، وَلَكِنِّي أَخْلِطُهَا بِعِبَادَاتِ جَمِيعِ الْعَابِدِينَ، وَأَذْكُرُ الْكُلَّ بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ وأقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) . اهـ (مفاتيح الغيب) .
وقال الآلوسي:
وقيل لو قال: إياك أعبد لكان ذلك بمعنى أنا العابد ولما قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} كان المعنى أني واحد من عبيدك وفرق بين الأمرين كما يرشدك إليه قوله تعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين} وقوله تعالى: حكاية عن موسى {سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا} فصبر الذبيح لتواضعه بعدِّ نفسه واحدًا من جمع ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه مع أن كلًا منهما عليهما السلام قال {إِن شَاء الله} وقيل الضمير فِي الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة، وقيل هو من باب:"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ"على ما ذكره الغزالي قدس سره. اهـ (روح المعاني) .
(فائدة)
وقال الإمام تقي الدين السبكي:
وَالنُّونُ فِي {نَعْبُدُ} لإِفَادَةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَسْتَغْرِقُ الْمُتَكَلِّمَ وَغَيْرَهُ، كَمَا أَنَّ الْحَمْدَ يَسْتَغْرِقُهُ. اهـ (فتاوى السبكي) .
وقال محمود صافي:
وإيثار صيغة المتكلم مع الغير في الفعلين للإيذان بقصور نفسه وعدم لياقته بالوقوف في مواقف الكبرياء منفردا وعرض العبادة واستدعاء المعونة والهداية مستقلا وأن ذلك إنما يتصور من عصابة هو من جملتهم وجماعة هو من زمرتهم كما هو ديدن الملوك، أو للإشعار باشتراك سائر الموحدين له في الحال العارضة له بناء على تعاضد الأدلة الملجئة إلى ذلك. اهـ (الجدول في إعراب القرآن الكريم) .
(لطيفة)
قال البقلي:
قال الإنطاكىُّ: إنّما يعبدُ الله على أربع، على الرغبة والرّهبة والحياء والمحّبة، فأفضلها المحبَّةُ التي تَليها، والحيَاء، ثم الرَّهبةُ، ثم الرَّغبةُ.
وقال الأستاذ: العبادة بستانُ القاصدين، ومستروح المريدين، ومَرْتَعُ الأُنس للمحبين، ومرتع البَهْجة للعارفين، بها قوة أعينِهم، وفيها مسَرَّةُ قلوبهم، ومنها راحة أبدانهم. اهـ (عرائس البيان) .
* أسئلة وأجوبة
فإن قيل: لم كرر ضمير (إياك) ؟
أجيب: بأنه كرر للتنصيص على أنه المستعان به لا غيره.
فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة؟
أُجيب: لتتوافق رءوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وأيضًا لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحًا واعترافًا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ليدل على أنَّ العبادة أيضًا مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق.
* فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟
أجيب: بأنَّ عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تحسينًا للكلام وتنشيطًا للسامع فيكون أكثر إسغاءً للكلام فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما، فهذه أقسام أربعة ذكرها البيضاوي، والتحقيق كما قاله بعض المتأخرين: أنها ستة لأنّ الملتفت إليه اثنان وكل منهما إمّا غيبة أو خطاب أو تكلم، من ذلك قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} الأصل بكم فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة وقوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ} الأصل فساقه فهو التفات من الغيبة إلى التكلم.
والاستعانة طلب معونة وهي: إمّا ضرورية أو غير ضرورية، فالضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوّره وحصول آلة ومادّة يفعل بها فيها وعند استجماع ذلك يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل، وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي أو يقرّب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف غالبًا وقد يتوقف كأكثر الواجبات المالية.
* فإن قيل: لم أطلقت الاستعانة؟
أجيب: بأنها إنما أطلقت لأجل أنها تتناول المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادات واستحسن هذا الزمخشريُّ قال: لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. اهـ (السراج المنير) .
وقال أبو السعود:
فإن قيل لم تكرر الضمير المنصوب [إياك] ؟
فالجواب: للتنصيص على تخصصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة، ولإبراز الاستلذاذ بالمناجاة والخطاب. اهـ (تفسير أبي السعود) .
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:
كرَّر (وَإِيَّاكَ) لأنه لو حذفه في الثاني لفاتت فائدة التقديم، وهي قطع الاشتراك بين العامِلَيْن، إذ لو قال:"إِيَّاكَ نعبدُ ونستعينُ"لم يظهر أن التقدير إِيَّاكَ نعبدُ وإِيَّاكَ نستعين. أو إِيَّاكَ نعبدُ ونستعينك!!
* فإِن قلتَ: إذا كان نستعينك"مفيدًا لقطع الاشتراك بين العامِلَيْن، فلِمَ عَدَلَ عنه مع أنه أخصرُ، إِلى (وإِيَّاكَ نستعين) ؟"
قلتُ: عَدَلَ إليه ليفيد الحصر بين العامِلَيْن مع أنه أخصر.
* فإِن قلتَ: فلمَ قَدَّمَ العبادة على الاستعانة، مع أن الاستعانة مقدمة، لأن العبد يستعين اللَّهَ على العبادة ليُعينه عليها؟
قلتُ: الوَاوُ لا تقتضي الترتيبَ، أو المرادُ بالعبادةِ التوحيدُ، وهو مقدَّم على الاستعانة على سائر العبادات. اهـ (فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري) .
وقال الراغب:
إن قيل: كيف قال: (إياك نعبد) ولو قال: (نعبدك) كان أوجز منه لفظًا؟
قيل: إن عادتهم أن يقدموا من الفاعل والمفعول ما القصد الأول إليه، والاهتمام متوجه نحوه، وإن كان في ذكر الجملة القصدان جميعًا، تقول: بالأمير استخف الجند - إذا كان القصد الأول ذكر من وقع به استخفاف الجند - و"الأمير استخف بالجند - إذا كان القصد الأول إلى من أقدم على الاستخفاف بهم."
ولما كان القصد الأول - في هذا الموضع - ذكر المعبود دون الإخبار عن اتخاذ عبادتهم، كان تقديم ذكره أولى.
وعلى هذا قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} وأيضًا، ففي ذكر المفعول إشارة إلى إثبات الحكم المذكور ونفيه عن غيره تقول: إليك أفزع تنبيهًا أني لا أفزع إلا إليك.
وإذا قال: أفزع إليك، فليس فيه المعنى، وعلى هذا فسر ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما فقال: معناه: لا نوحد غيرك، وقال بعضهم: إنما نبه تعالى بتقديم ذكر أن تكون نظر العباد من المعبود إلى عبادتهم له لا من العبادة إلى المعبود، وعلى ذلك فُضِّلَ ما حَكى الله عن نبينا - عليه السلام - إذ قال: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} فنظر من الله تعالى إلى نفسه على ما حكى عن موسى عليه السلام حين قال: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} فقدم ذكر نفسه، ونظر منها إلى ربه
إن قيل: لم كرر إياك؟
قيل: لأنه لو قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، لكان يصح أن يعتقد أن الاستعانة بغيره، وكان إعادته أبلغ.
إن قيل: لم قدم العبادة على الاستعانة، وحق الاستعانة أن تكون مقدمة، إذ لا سبيل إلى عبادته إلا بمعونته؟
قيل: قد قالوا: هو على التقديم والتأخير، وقيل: الواو لا تقتضي الترتيب.
والوجه - في ذلك - أن الله تعالى علم خلقه بذلك أن يقدموا حقه ثم يسألوه ليكونوا مستحقين للإجابة. اهـ (تفسير الراغب) .
وقال الكرماني:
وفي تأخير (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وحقه التقديم، أربعة أقوال: أحدها: أن الواو للجمع لا للترتيب، والثاني: حقه التقديم وأخر للفاصلة، فإن الآي فواصل تجري مجرى القوافي للشعر، والثالث: تقديره إياك نعبد وإياك نستعين على عبادة أخرى نستأنفها.
الرابع: نستعين على الهداية، وهي الثبات عليه. اهـ (غرائب التفسير وعجائب التأويل، للكرماني) .
وقال بيان الحق الغزنوي:
وإنما كرر (إياك) لأنه بمعنى الكاف فِي نعبدك ونستعينك، ولأنه تعليم أن يجدد لكل دعوة عزيمة وتوجها، ولا نجمعهما فِي رباقة ولا نعرضهما فِي صفقة، وإنما لم يقل: نعبدك ونستعينك وهو أوجز؛ لأن نستعين على نظم آي السورة، ولهذا قدمت العبادة على الاستعانة، كما قدم الرحمن وهو أبلغ، مع ما تقديم ضمير المعبود على ذكر العابد من التعظيم وإحسان الترتيب، وإنما كان (إياك نعبد) بلفظ الخطاب و (الحمد لله) فِي أول السورة بالغيبة؛ لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده، فاستعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة، والعبادة التى هى الأمر الأقصى جرت بالخطاب تقريبًا منه تعالى بالانتهاء إلى محدودة منها، وعلى هذا جاء آخر السورة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بإسناد النعمة إليه لفظا، وصرف لفظ الغضب إلى {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} تحسنا وتلطفا. اهـ {باهر البرهان فِي معاني مشكلات القرآن}
وقال ابن عرفة:
قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
إن قلت: لِمَ قدمت العبادة على الاستعانة مع أن الاستعانة سبب فيها؟
أجاب الزمخشري: بأن العبادة وسيلة والاستعانة مقصد فقدمت الوسيلة قبل الحاجة.
قال ابن عرفة: بل الصواب العكس فالعبادة هي المقصد.
قال: وكان يمشي لنا الجواب عن ذلك بأن هذا أقرب لكمال الافتقار وخلوص النية فإنّ المكلف إذا أَقَرّ أوّلا بأن لاَ قُدْرة له على الفعل إلا بالله، ثم فعل العبادة فإنّه قد تحول نيته بعد ذلك وتزهو نفسه ويتوهّم أن الفعل الواقع منه بقدرته استقلالا، فإذا أقر بعد الفعل بأن الاستعانة له عليه إلا بالله كان نفيا للتهمة وأقرب لمقام التذلّل والخضوع.
قلت: وقال بعض الناس العبادة مقصد باعتبار الحكم الشرعي والاستعانة مقصد باعتبار نية المكلف فِي طلبه لأنه أخبر أنه إنما يعبد الله لا غيره، ثم أخبر أنه لا يستعين على تلك العبادة إلا بالله.
قلت: وأجاب القاضي العماد عن السؤال بثلاثة أوجه: - الأول: طلب المعونة من الله لا يكون إلا بعد معرفته ومعرفته هو التوحيد وهي العبادة.
-الثاني: يحتمل أن ترجع العبادة لتوحيد الله والاستعانة طلب معونته على حوائج الدنيا والآخرة وأول السورة فِي توحيد الله تعالى وآخرها للعبد كما فِي حديثه:"قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين".
قدم العبادة ليكون ما هو لله بإزاء ما هو لله، وما هو للعبد بإزاء ما هو للعبد.
-الثالث: طلب المعونة عبادة خاصة وإياك نعبد عامة، والعام مقدم على الخاص. اهـ {تفسير ابن عرفة} .
وقال ابن جماعة:
ما فائدة العدول من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: (إياك نعبد) ؟
جوابه: أن الخطاب للحاضر، والاستعانة به أقرب إلى حصول المطلوب من خطاب الغائب والله أعلم.
-مسألة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ؟.
جوابه: كررت (إِيَّاكَ) المفيدة للحصر إذا تقدمت: للتصريح بتوكيد حصر الإخلاص في العبادة له، وحصر الاستعانة أيضا به تعالى. اهـ (كشف المعاني) .
(لطيفة)
قال الإمام الفخر:
قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) أَمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالْعُبُودِيَّةِ، لِأَنَ التَّوْحِيدَ أَصْلٌ، وَالْعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، وَالتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ، وَالْعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، وَلَا قِوَامَ لِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِالْآخَرِ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ عَلَى شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ. اهـ (مفاتيح الغيب) .
* تنبيه:
قال الخطيب الشربيني:
الضمير المستكن في (نعبد) و (نستعين) للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة، أو له ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعل عبادته تقبل ببركة عبادتهم، وحاجته يجاب إليها ببركة حاجتهم ولهذا شرعت الجماعة في الصلاة. اهـ (السراج المنير) .
(فائدة)
قال الإمام الفخر:
اعْلَمْ أَنَّ الْمَقَامَاتِ مَحْصُورَةٌ فِي مَقَامَيْنِ: مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَمَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَعِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا يَحْصُلُ الْعَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أَمَّا مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكَمَالُهَا مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فَكَوْنُ الْعَبْدِ مُنْتَقِلًا مِنَ الْعَدَمِ السَّابِقِ إِلَى الْوُجُودِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا، وَحُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَالسَّعَادَاتِ لِلْعَبْدِ حَالَ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمَانًا رَحِيمًا، وَأَحْوَالُ مَعَادِ الْعَبْدِ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وَعِنْدَ الْإِحَاطَةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ، وَبَعْدَهَا جَاءَتْ مَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَهَا مَبْدَأٌ وَكَمَالٌ، وَأَوَّلُ وَآخِرُ، أَمَّا مَبْدَؤُهَا وَأَوَّلُهَا فَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ، بِقَوْلِهِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وَأَمَّا كَمَالُهَا فهو أن يعرف العبد أَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ فِي تَحْصِيلِ كُلِّ الْمَطَالِبِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وَلَمَّا تَمَّ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَبِعَهْدِ الْعُبُودِيَّةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْفَائِدَةِ وَالثَّمَرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) وَهَذَا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عَالٍ يَمْتَنِعُ فِي الْعُقُولِ حُصُولُ تَرْتِيبٍ آخَرَ أَشْرَفَ مِنْهُ. اهـ (مفاتيح الغيب) .
فإن قيل: لم قدم المفعول؟
أجيب: بأنَّ تقديمه للتعظيم والاهتمام به والدلالة على الحصر، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك، وتقديم ما هو مقدّم في الوجود والتنبيه على أنَّ العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولًا وبالذات، ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ووصلة بينه وبين الحق فإنّ العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالًا من أحوالها إلا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسبة إليه ولذلك فضل ما حكي عن حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} على ما حكاه عن كليمه موسى صلى الله عليه وسلم حيث قال: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} لأنّ الأوّل قدّم ذكر الله تعالى على المعية، والثاني بالعكس. اهـ (السراج المنير) .
وقال الإمام تقي الدين السبكي:
إِنَّ الْحَصْرَ فِي (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مِنْ خُصُوصِ الْمَادَّةِ لا مِنْ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ، بَلْ أَقُولُ: إنَّ الْمُصَلِّيَ قَدْ يَكُونُ مُقْبِلا عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا يَعْرِضُ لَهُ اسْتِحْضَارُ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. وَغَيْرُهُ أَحْقَرُ فِي عَيْنِهِ مِنْ أَنْ يُقْصَدَ فِي ذَلِكَ بِنَفْيِ عِبَادَتِهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الإِخْبَارَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَأَوَّلُ مَا حَضَرَ فِي ذِهْنِهِ عَظَمَةُ مَنْ هُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ إيَّاكَ نَعْبُدُ لِيُطَابِقَ اللَّفْظُ الْمَعْنَى وَيَتَقَدَّمُ مَا تَقَدَّمَ حُضُورُهُ فِي الْقَلْبِ وَهُوَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ وَكَمَعْنَى اخْتِصَاصِهِ بِالْعِبَادَةِ اخْتِصَاصُهُ بِالإِخْبَارِ بِعِبَادَتِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الأَكْوَانِ لَمْ يُخْبَرْ عَنْهُ بِشَيْءٍ بَلْ هُوَ مُعْرِضٌ عَنْهَا. اهـ (فتاوى السبكي) .
(لطيفة)
قال الإمام الفخر:
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) كُلُّهُ مَذْكُورٌ عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَقَوْلُهُ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) انْتِقَالٌ مِنْ لَفْظِ الْغَيْبَةِ إِلَى لَفْظِ الْخِطَابِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهِ؟
قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ كَانَ أَجْنَبِيًّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا جَرَمَ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِأَلْفَاظِ الْمُغَايَبَةِ إِلَى قَوْلِهِ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ حَمِدْتَنِي وَأَقْرَرْتَ بِكَوْنِي إِلَهًا رَبًّا رَحْمَانًا رَحِيمًا مَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ أَنْتَ قَدْ رَفَعْنَا الْحِجَابَ وَأَبْدَلْنَا الْبُعْدَ بِالْقُرْبِ فَتَكَلَّمْ بِالْمُخَاطَبَةِ وَقُلْ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ أَحْسَنَ السُّؤَالِ مَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَافَهَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَمَّا سَأَلُوا رَبَّهُمْ شَافَهُوهُ بِالسُّؤَالِ فَقَالُوا: (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) و (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا) و (رَبِّ هَبْ لِي) و (رَبِّ أَرِنِي) وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الرَّدَّ مِنَ الْكَرِيمِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَافَهَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ بَعِيدٌ وَأَيْضًا الْعِبَادَةُ خِدْمَةٌ، وَالْخِدْمَةُ فِي الْحُضُورِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ثَنَاءً، وَالثَّنَاءُ فِي الْغَيْبَةِ أَوْلَى، وَمِنْ قَوْلِهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ فِي الْحُضُورِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْعَبْدُ لَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ نَوَيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ فَيَنْوِي حُصُولَ الْقُرْبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّيَّةِ أَنْوَاعًا مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، فَاقْتَضَى كَرَمُ اللَّهِ إِجَابَتَهُ فِي تَحْصِيلِ تِلْكَ الْقُرْبَةِ، فَنَقَلَهُ مِنْ مَقَامِ الْغَيْبَةِ إِلَى مَقَامِ الْحُضُورِ، فَقَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . اهـ (مفاتيح الغيب) .
(فائدة)
قال النيسابوري:
اعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَرَفَ فَوَائِدَ الْعِبَادَةِ طَابَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهَا، وَثَقُلَ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهَا، لأَنَّ الْكَمَالَ مَحْبُوبٌ بِالذَّاتِ، وَأَكْمَلُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ وَأَقْوَاهَا فِي كَوْنِهَا سَعَادَةً اشْتِغَالُهُ بخدمة مولاه، فَإِنَّهُ يَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»
وأيضا التكاليف أمانة (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ) وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) وأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ سَبَبٌ لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ مِنَ الْجَانِبِ الآخر.
قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَتَرَكَهَا وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَدَعَا بِمَا شَاءَ، فَتَعَجَّبْنَا، فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ نَاقَتَهُ فَقَالَ: (إِلَهِي أَدَّيْتُ أَمَانَتَكَ فَأَيْنَ أَمَانَتِي؟
قَالَ الرَّاوِي فَزِدْنَا تَعَجُّبًا، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَتِهِ وَقَدْ قُطِعَ يَدُهُ وَسَلَّمَ النَّاقَةَ إِلَيْهِ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّهُ لَمَّا حَفِظَ أَمَانَةَ اللَّهِ حَفِظَ اللَّهُ أَمَانَتَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ فِي الْخَلَوَاتِ يَحْفَظْكَ فِي الْفَلَوَاتِ» .
وأيضا الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من الخلق إلى حضرة الحق، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَمَالَ اللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ: يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا، وَوَقَعَتِ الْآكِلَةُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى قَطْعِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَلَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعُوا مِنْهُ ذَلِكَ الْعُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةَ بِذَلِكَ الْقَطْعِ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ يَشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ صَدْرِهِ، أَزِيزًا كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ،
وَمَنِ اسْتَبْعَدَ هَذَا فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)
فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد؟! وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين؟! واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعا فيما هو أشرف منها وأدوم، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين، وإما أن يعبد الله تشرفا بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية. وإما أن يعبد الله لكونه إلها ولكونه عبدا له، والإلهية توجب العزة والهيبة، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي: أصلي لله فإنه لو قال: أصلي لثواب الله أو هربا من عقابه فسدت صلاته.
(يحكى) أن عابدا في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله تعالى سبعين سنة، فأرسل الله تعالى إليه مَلَكا فقال: إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود. فرجع الملك فقال الله: بم أجاب العابد؟ فقال: أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا. فقال الله تعالى: ارجع إليه وقل له: قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك.
والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين. وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين. قال عز من قائل (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) .
ولأن العبودية أشرف المقامات. مدح الله تعالى نبيه في قوله (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) وكان عليّ يقول:
(كَفَى بِي فَخْرًا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْدًا، وَكَفَى بِي شَرَفًا أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، اللَّهُمَّ إِنِّي وَجَدْتُكَ إِلَهًا كَمَا أَرَدْتَ فَاجْعَلْنِي عَبْدًا كَمَا أَرَدْتَ) .
ومنهم من قال: العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) . اهـ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) .