فهرس الكتاب
قال الواحدي:
(نعبد) من العبادة وهى الطاعة مع الخضوع، ولا يستحقها إلا الله عز وجل، وسُميَ العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، وطريق مُعَبَّدٌ إذا كان مذللا بالأقدام. اهـ (الوسيط للواحدي النيسابوري) .
قال القشيري:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) معناه نعبدك ونستعين بك، والابتداء بذكر المعبود أتم من الابتداء بذكر صفته - التي هي عبادته واستعانته - وهذه الصيغة أجزل في اللفظ، وأعذب في السمع.
والعبادة: الإتيان بغاية ما في بابها من الخضوع، ويكون ذلك بموافقة الأمر، والوقوف حيثما وقف الشرع.
والاستعانة: طلب الإعانة من الحق.
والعبادة تشير إلى بذل الجهد والمنة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمنة.
فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد.
في العبادة وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه، والعبادة ظاهرها تذلل وحقيقتها تعزز وتجمل:
وإذا تذللت الرقاب تقربًا…منا إليك فعزها في ذلها
وفي معناه:
حين أسلمتني لذال ولام…ألقيتني في عين وزاي
اهـ (لطائف الإشارات) .
وفي التأويلات النجمية:
قال أبو بكر الوراق: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك خلقتنا {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك هديتنا، قلت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المعبود {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المقصود، وأيضًا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المطلوب {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المحبوب، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك مالك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ لأن ما سواك هالك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على نعمتك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على معرفتك، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك قلت: لنا عبادي، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ لأنك لنا إليك هادي. اهـ (التأويلات النجمية) .
وقال ابن عطية: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) .
نُطْق المؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل، وتحقيق لعبادة الله، إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك، وقدم المفعول على الفعل اهتمامًا، وشأن العرب تقديم الأهم.
ويُذكر أن أعرابيا سبّ آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له السابّ: «إياك أعني» فقال الآخر: «وعنك أعرض» فقدّما الأهم. اهـ (المحرر الوجيز، لابن عطية) .
وأضاف القرطبي - رحمه الله - وجهًا آخر إضافة لما ذكر ابن عطية - رحمه الله - فقال: وَأَيْضًا لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعَبْدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى الْمَعْبُودِ، فَلَا يَجُوزُ نَعْبُدُكَ وَنَسْتَعِينُكَ، وَلَا نَعْبُدُ إِيَّاكَ وَنَسْتَعِينُ إِيَّاكَ، فَيُقَدَّمُ الْفِعْلُ عَلَى كِنَايَةِ الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا يُتَّبَعُ لَفْظُ الْقُرْآنِ. اهـ (تفسير القرطبي) .
قال ابن كثير:
وَإِنَّمَا قَدَّمَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) عَلَى (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إليها والاهتمام والحزم تقديم مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَإِنْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ فالداعي واحد وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هَذَا الْمَقَامَ؟ وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ جِنْسِ الْعِبَادِ وَالْمُصَلِّي فَرْدٌ مِنْهُمْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ إِمَامَهُمْ فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي خُلِقُوا لِأَجْلِهَا وَتَوَسَّطَ لَهُمْ بِخَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ للتعظيم. قيل: إذا كنت داخل الْعِبَادَةِ فَأَنْتَ شَرِيفٌ وَجَاهُكَ عَرِيضٌ فَقُلْ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإن كُنْتَ خَارِجَ الْعِبَادَةِ فَلَا تَقُلْ نَحْنُ وَلَا فَعَلْنَا وَلَوْ كُنْتَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله عز وجل وفقرهم إليه. ومنهم من قال: إياك نعبد ألطف في التواضع من إياك عبدنا لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعله نفسه وحده أهلا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْبُدَهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ وَلَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْعِبَادَةُ مَقَامٌ عَظِيمٌ يَشْرُفُ بِهِ الْعَبْدُ لِانْتِسَابِهِ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ (تفسير ابن كثير) .
وقال الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - بعد أن أجاب عن هذا السؤال:
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمْ قَائِمٌ فِي قَوْلِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ الْحَمْدِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِ اللَّهِ، فَإِذَا قُلْتَ لِلَّهِ فَقَدْ تَقَيَّدَ الْحَمْدُ بِأَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَمَّا لَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ «نَعْبُدُ» احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّ الْحَمْدَ لَمَّا جَازَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَمَا جَازَ لِلَّهِ، لَا جَرَمَ حسن تقدم الحمد، أما هاهنا فَالْعِبَادَةُ لَمَّا لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا جَرَمَ قَدَّمَ قَوْلَهُ (إِيَّاكَ) عَلَى (نَعْبُدُ) فَتَعَيَّنَ الصَّرْفُ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ احْتِمَالُ أَنْ تَقَعَ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ. اهـ (مفاتيح الغيب) .
فإن قيل: لم أطلقت الاستعانة؟ أجيب بأنها إنما أطلقت لأجل أنها تتناول المعرفة في المهمات كلها أو في أداء العبادات. اهـ (السراج المنير) .
* وإن قيل: لم قدم العبادة على الاستعانة؟
فالجواب لأن العبادة من مقتضيات مدلول الاسم الجليل وإن ساعدته الصفات المجراة عليه أيضًا، وأما الاستعانة فمن الأحكام المبينة على الصفات المذكورة، ولأن العبادة من حقوق الله تعالى، والاستعانة من حقوق المستعين، ولأن العبادة واجبة حتمًا، والاستعانة تابعة للمستعان فيه في الوجوب وعدمه، وقيل لأن تقديم الوسيلة على المسئول أدعى إلى الإجابة والقبول، هذا على تقدير كون إطلاق الاستعانة على المفعول فيه ليتناول كل مستعان فيه كما قالوا، وقد قيل: إنه لما أن المسئول هو المعونة في العبادة والتوفيق لإقامة مراسمها على ما ينبغي، وهو اللائق بشأن التنزيل والمناسب لحال الحامد، فإن استعانته مسبوقة بملاحظة فعل من أفعاله ليستعينه تعالى في إيقاعه. اهـ (تفسير أبي السعود) .
وأجاب الخازن عن ذلك بأوجه منها: أن الاستعانة نوع تعبد، فكأنه ذكر جملة العبادة أولًا ثم ذكر ما هو من تفاصيلها ثانيًا، ومنها كأن العبد يقول شرعت في العبادة فأنا أستعين بك على إتمامها فلا يمنعني من إتمامها مانع، ومنها أن العبد إذا قال (إياك نعبد) حصل له الفخر، وذلك منزلة عظيمة فيحصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك بقوله: (وإياك نستعين) ليزول ذلك العُجْب الحاصل بسبب تلك العبادة. (تفسير الخازن باختصار يسير) .
قال في التيسير {إياك نعبد} إظهار التوحيد {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} طلب العون عليه، وقوله {اهدنا} لسؤال الثبات على دينه، وهو تحقيق عبادته واستعانته، وذلك لأن الثبات على الهداية أهم الحاجات؛ إذ هو الذى سأله الأنبياء والأولياء، كما قال يوسف ـ عليه السلام ـ {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} وسحرة فرعون {تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} والصحابة {وتوفنا مع الأبرار} وذلك لأنه لا ينبغى أن يعتمد على ظاهر الحال، فقد يتغير في المآل، كما لإبليس وبرصيصا وبلعام بن باعوراء. اهـ (روح البيان)
(فائدة)
الْعُبُودِيَّةُ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ.
فَالْعُبُودِيَّةُ الْعَامَّةُ عُبُودِيَّةُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلِّهِمْ لِلَّهِ، بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ الْقَهْرِ وَالْمُلْكِ، قَالَ تَعَالَى {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 88 - 93] فَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطَّاعَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَاتِّبَاعِ الْأَوَامِرِ، قَالَ تَعَالَى {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: 68] وَقَالَ {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17] وَقَالَ {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسَ {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39] فَقَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] .
فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وَأَهْلُ طَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ هُمْ عَبِيدُ إِلَهِيَّتِهِ.
وَلَا يَجِيءُ فِي الْقُرْآنِ إِضَافَةُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ مُطْلَقًا إِلَّا لِهَؤُلَاءِ. اهـ (مدارج السالكين، باختصار يسير) .
وقال الراغب:
والعبد على ضربين: عبدٌ بالإيجاد والتسخير: وذلك يطلق على كل أحد، وإياه عنى بقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} وعبدٌ على طريق التخصيص وذلك قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} واستثناهم إبليس بقوله {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ، وقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} .
فعلى الثاني: يصح أن يقال: فلان ليس عبدًا.
وعلى هذا قيل: فلان عبد الهوى، وعبد الشهوة، وعبد الطاغوت، وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} وعلى ذلك قال عليه السلام:
"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم". اهـ (تفسير الراغب) .
قال الإمام القشيري:
العبادة نزهة القاصدين، ومستروح المريدين، ومربع الأنس للمحبين، ومرتع البهجة للعارفين، بها قرة أعينهم، وفيها مسرة قلوبهم، ومنها راحة أرواحهم.
وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"أرحنا بها يا بلال"
والاستعانة إجلالك لنعوت كرمه، ونزولك بساحة جوده، وتسليمك إلى يد حكمه، فتقصده بأمل فسيح، وتخطو إليه بخطو وسيع، وتأمل فيه برجاء قوي، وتثق بكرم أزلي، وتتكل على اختيار سابق، وتعتصم بسبب جوده. اهـ (لطائف الإشارات) .
(فائدة)
قال الماوردي:
قوله عز وجل: {إِيَاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قوله: {إِيَّاكَ}
هو كناية عن اسم الله تعالى، وفيه قولان:
أحدهما: أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف، وهذا قول الخليل.
والثاني: أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف، وهذا قول الأخفش.
وقوله: {نَعْبُدُ}
فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى، لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر.
والثاني: أن العبادة الطاعة.
والثالث: أنها التقرب بالطاعة.
والأول أظهرها، لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام، ولم تطعه بالعبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة. اهـ {النكت والعيون} .
وقال الخازن:
قوله تعالى: {إياك نعبد}
رجع من الخبر إلى الخطاب، وفائدة ذلك من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء فِي الغيبة أولى.
ومن قوله: إياك نعبد دعاء والخطاب فِي الدعاء أولى.
وقيل فيه ضمير أي قولوا: إياك نعبد والمعنى إياك نخص بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك.
والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده.
وقيل: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤدي به الفرض لتعظيم الله تعالى، فقول العبد إياك نعبد معناه لا أعبد أحدًا سواك، والعبادة غاية التذلل من العبد ونهاية التعظيم للرب سبحانه وتعالى لأنه العظيم المستحق للعبادة، ولا تستعمل العبادة إلا فِي الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم وهي إيجاد العبد من العدم إلى الوجود ثم هداه إلى دينه فكان العبد حقيقًا بالخضوع والتذلل به. اهـ {تفسير الخازن} .
وقال ابن عجيبة:
يقول الحق جلّ جلاله، تتميمًا لتعليم عباده: فإذا أثنيتمُ عليَّ ومجدتموني وعظمتموني فأقِرُّوا لي بالربوبية، وأظهروا من أنفسكم العبودية، واطلبوا مني العون في كل وقت وقولوا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وكأنه - جلّ جلاله - لَمّا ذكر أنه مستحق للمحامد كلها قديمها وحديثها لأنه رب العوالِم وقيومها، أصل الأصول وفروعها، أنعم عليها أولًا بالإيجاد، وثانيًا بتوالي الإمداد، فهو مالكها على الإطلاق، ذكر أنه لا يستحق أن يُعبد سواه إذ لا مُنعمَ على الحقيقة إلا الله، فهو أحقُّ أن يُعبد، وأولى أن يفرد بالوجهة والقصد، لأنه مُسْتَبِدٌ وغير مُسْتَمدّ، والمادة من عَيْنِ الجود، فإذا انقطعت المادة انعدم الوجود.
قال الأقليشي: فهذه الآية هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلّم: «فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عَبْدِي ولعَبْدِيَ مَا سَأَلَ» . معناه: أيُّ عبد توجَّه إليَّ بالعبادة وسألني العون عليها فعبادته متقبلة، والعون مني له عليها حاصل حتى يُوقعها على وجهها، فالعبادة وصف العبد، والعون من الله تعالى للعبد، فلهذا قال: «فهذه بيني وبين عبدي» . اهـ (البحر المديد، باختصار يسير) .
(فائدة)
قال أبو حيان:
الِاسْتِعَانَةُ، طَلَبُ الْعَوْنِ، وَالطَّلَبُ أَحَدُ مَعَانِي اسْتَفْعَلَ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مَعْنًى، وَهِيَ: الطَّلَبُ، وَالِاتِّحَادُ، وَالتَّحَوُّلُ، وَإِلْقَاءُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى مَا صِيغَ مِنْهُ وَعَدُّهُ كَذَلِكَ، وَمُطَاوَعَةُ أَفْعَلَ وَمُوَافَقَتُهُ، وَمُوَافَقَةُ تَفَعَّلَ وَافْتَعَلَ وَالْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ، وَالْإِغْنَاءُ عَنْهُ وَعَنْ فَعَلَ مِثْلُ ذَلِكَ اسْتَطْعَمَ، وَاسْتَعْبَدَهُ، وَاسْتَنْسَرَ وَاسْتَعْظَمَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَاسْتَشْلَى مُطَاوِعُ أَشْلَى، وَاسْتَبَلَّ مُوَافِقٌ مُطَاوِعٌ أَبَلَّ، وَاسْتَكْبَرَ مُوَافِقُ تَكَبَّرَ، وَاسْتَعْصَمَ مُوَافِقُ اعْتَصَمَ، وَاسْتَغْنَى مُوَافِقُ غِنًى، وَاسْتَنْكَفَ وَاسْتَحْيَا مُغْنِيَانِ عَنِ الْمُجَرَّدِ، وَاسْتَرْجَعَ، وَاسْتَعَانَ حَلَقَ عَانَتَهُ، مُغْنِيَانِ عَنْ فَعَلَ، فَاسْتَعَانَ طَلَبَ الْعَوْنَ، كَاسْتَغْفَرَ، وَاسْتَعْظَمَ. اهـ {البحر المحيط} .