فهرس الكتاب
* لطَائِف وَفَوَائِد:
قال الإمام الفخر:
-الْفَائِدَةُ الْأُولَى: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْعَمَلِ إِنَّمَا تحسن قبل الشروع في العمل وهاهنا ذَكَرَ قَوْلَهُ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: شَرَعْتُ فِي الْعِبَادَةِ فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي إِتْمَامِهَا، فَلَا تَمْنَعْنِي مِنْ إِتْمَامِهَا بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْمَرَضِ وَلَا بِقَلْبِ الدَّوَاعِي وَتَغَيُّرِهَا.
الثَّانِي: كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ: يَا إِلَهِي إِنِّي أَتَيْتُ بِنَفْسِي إِلَّا أَنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي إِحْضَارِهِ، وَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ إِحْضَارُ الْقَلْبِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ.
الثَّالِثُ: لَا أُرِيدُ فِي الْإِعَانَةِ غَيْرَكَ لَا جِبْرِيلَ وَلَا مِيكَائِيلَ، بَلْ أُرِيدُكَ وَحْدَكَ وَأَقْتَدِي فِي هَذَا الْمَذْهَبِ بِالْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ لَمَّا قَيَّدَ نُمْرُوذُ رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ وَرَمَاهُ فِي النَّارِ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، فَقَالَ: سَلْهُ، فَقَالَ: حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي، وهاهنا نكتة وهي كأن المؤمن يقول أَنَا قُيِّدَتْ رِجْلَيَّ في الصلاةِ فَلَا أَسِيرُ، وَيَدَيَّ فَلَا أُحَرِّكُهُمَا، وَعَيْنَيَّ فَلَا أَنْظُرُ بِهِمَا، وَأُذُنَيَّ فَلَا أَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانِي فَلَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، فكما قُلْنَا: (يَا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ) فَكَذَلِكَ تَقُولُ لَكَ نَارُ جَهَنَّمَ: «جُزْ يَا مُؤْمِنُ قَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي» .
الرَّابِعُ: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أَيْ: لَا أَسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ لَا يُمْكِنُهُ إِعَانَتِي إِلَّا إِذَا أَعَنْتَهُ عَلَى تِلْكَ الْإِعَانَةِ، فَإِذَا كَانَتْ إِعَانَةُ الْغَيْرِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِعَانَتِكَ فَلْنَقْطَعْ هَذِهِ الْوَاسِطَةَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى إِعَانَتِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) يَقْتَضِي حُصُولَ رُتْبَةٍ عَظِيمَةٍ لِلنَّفْسِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ يُورِثُ الْعُجْبَ فَأَرْدَفَ بِقَوْلِهِ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الْحَاصِلَةَ بِسَبَبِ الْعِبَادَةِ مَا حَصَلَتْ مِنْ قُوَّةِ الْعَبْدِ، بَلْ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِإِعَانَةِ اللَّهِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إِزَالَةُ الْعُجْبِ وَإِفْنَاءُ تِلْكَ النَّخْوَةِ وَالْكِبْرِ. اهـ (مفاتيح الغيب. بتصرف يسير) .
وقال ابن عجيبة:
الإشارة: لمّا تجلى الحق جل جلاله من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، وحَمِدَ نفسه بنفسه، تجلّى أيضًا وتنزَّل من عالم الملكوت إلى عالم المُلك بقدرته وحكمته لإظهار آثار أسمائه وصفاته، فأظهر العبودية وأخفى الربوبية، أظهر الحكمة وأبطن القدرة، فجعلَ عالَم الحكمة يخاطبُ عالمَ القدرة، ويخضع له، ويتعبّد ويستمد، منه الإعانة والهداية، ويتحرز من طريق الضلالة والغواية.
فعالَمً الحكمة محلُّ التكليف، وعالم القدرة محل التصريف، عالم الحكمة عالم الأشباح، وعالم القدرة عالم الأرواح، فـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأهل عالم الحكمة، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأهل عالم القدرة. ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) شريعة، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) حقيقة، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إسلاما، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إحسانًا، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) عبادة، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) عبودية، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فرق (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) جَمْعٌ. اهـ
وإن شئت قلت: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأهل العمل لله وهم المخلصون، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأهل العمل بالله وهم الموحِّدون، العمل لله يوجب المثوبة، والعمل بالله يوجب القُرْبَة، العمل لله يوجب تحقيق العبادة، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة، العمل لله نعتُ كُلِّ عابد، والعمل بالله نعت كل قاصد، العمل لله قيامٌ بأحكام الظواهر، والعمل بالله قيام بإصلاح الضمائر. قاله القشيري.
ثم إنَّ الناسَ في شهود القدرة والحكمة على ثلاثة أقسام: قسم حُجبوا بالحكمة عن شهود القدرة، وهم أهل الحجاب من أهل الغفلة، وقفوا مع قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وقسم حُجبوا بشهود القدرة عن الحكمة، وهم أهل الفناء، وقفوا مع قوله: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقسم لم يحجبوا بالحكمة عن القدرة ولا بالقدرة عن الحكمة، أَعْطَوا كُلَّ ذي حق حقَّه وَوَفَّوْا كل ذي قسط قسطه، وهم أهل الكمال من أهل البقاء، جمعوا بين قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وبالله التوفيق. اهـ (البحر المديد) .
(لطيفة)
قال النيسابوري:
هاهنا مقامان: معرفة الربوبية ومعرفة العبودية، وعند اجتماعهما يحصل الربط المذكور في قوله (أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرحمن الرحيم مالك يوم الدين» فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلها، وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه ربا رحمانا رحيما، وأحوال معاده تدل على أنه مالك يوم الدين، وأما معرفة العبودية فمبدؤها «إياك نعبد» وكمالها «إياك نستعين» في جميع المطالب، وإذا تم الوفاء بالعهدين ترتبت عليه الثمرة وهو قوله: «اهدنا» إلى آخره.
وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه.
* في الالتفات الوارد في السورة وجوه: منها أن المصلي كان أجنبيا عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بالألفاظ الغائبة إلى قوله: «مالك يوم الدين» .
ثم الله تعالى كأنه يقول: حمدتني وأقررت بأني إله، رب العالمين، رحمن رحيم، مالك يوم الدين، فنعم العبد أنت يا عبد. رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل «إياك نعبد» .
ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه ربا لا يخرج شيء من ملكوته منعما على الخلق بأنواع النعم - جلائلها ودقائقها - مالكا للأمر كله في العاقبة، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بغاية الخضوع والاستعانة في المهام، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل «إياك» يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به.
ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى، وهكذا فعل الأنبياء عليهم السلام (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (رَبِّ أَرِنِي) (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى القربة فأثنى على الله بما هو أهله، فاستجاب الله دعاءه في تحصيل تلك القربة ونقله إلى مقام الحضور من مقام الغيبة. اهـ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان، للنيسابوري) .
(لطيفة)
قال الآلوسي:
مقام السالكين ينتهي عند قوله: (إياك) نعبد وبعده يطلب التمكين، وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد، فإن نفس السالك إذا تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة وألطافه غير متناهية فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى (رب العالمين) فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقرا إلى المبقِي محتاجا إلى التربية، فترقت لطلب الخلاص من وحشة الأدبار وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف (الرحمن الرحيم) فعرجت لِلَمعاتِ بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى المَلِك الحقيقي فنادت بلسان الاضطرار في مقام (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) أسلمت نفسي إليك وأقبلت بكليتي عليك وهناك خاضت لجة الوصول وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقال (إياك نعبد) وهنا انتهاء مقام السالك، ألا يرى إلى سيد الخلق وحبيب الحق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) فطلب التمكين بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ واستعاذ عن التلوين بقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فصعد مستكملا ورجع مكملا وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين. اهـ (روح المعاني) .
(لطيفة)
في التأويلات النجمية:
الخوف والرجاء جناحان للطائر فوق الجسر، إن لم يكن له جناح الخوف لهوى في زمهرير الأمن، فإن لم يكن له جناح الرجاء لهوى في نار اليأس، وهذان الجناحان أثران ظاهران من فعل القهر وفعل اللطف الصادرين من صفة لطيفية وقهارية، وقلب المؤمن بين إصبعي لطفه وقهره يقلبه كيف يشاء، وإلى هذا السر أشار خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مناجاته حيث قال:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك"وهاتان الصفتان ثابتتان لذات الله ذي الجلال والإكرام، فمن يأمن مكر الله وقهره فهو من الخاسرين المفرطين، ومن ييأس من روح الله ولطفه فهو من الكافرين المفرطين، ومن يفرح من لطفه ويخف من قهره من الفائزين الثابتين على الصراط المستقيم في دار التلوين، التي الاستقامة فيها أشد وأشق على النفس من الدخول في النار؛ ولأجل هذا أعدل الخلق مزاجًا"شيبتني سورة هود"ومراده أمر الله إياه بالاستقامة بقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} ، فحق له التشيب؛ رأفةً على من معه، وخوفًا على تقصيرهم في الاستقامة، فإذا علمت هذه الفوائد فخذ نصيبًا من فوائد أسمائه الحسنى المبسوطة في بساط هذه السورة، وهي المنعم الهادي المستعان المعبود المالك الرحيم الرحمن الرب الله المحمود. اهـ (التأويلات النجمية) .