فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 796

(فَصْلٌ)

وَتَفَكَّرْ فِي خُطُوَاتِكَ إِلَى لِقَاءِ مَحْبُوبِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهَا مَعَ مَا بَيَّنَّا مِنْ ضَرَرِ أَلَمِ الزِّيَارَةِ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْكَ وَأَنْتَ مُطَالَبٌ بِهَا.

خَطَبَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ

يَا أَيهَا النَّاسُ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُغْفِلا شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمْ لأَغْفَلَ هَذَا الأَثَرَ الَّذِي تَسْفَى عَلَيْهِ الرِّيَاحُ ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّا نَحْنُ نحي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}

(فَصْلٌ)

وَتَفَكَّرْ فِي مُكَالَمَتِكَ مَحْبُوبِكَ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا تَقُولُ مَعَ إِلْهَابِ الْكَلامِ نَارَ الْحُبِّ.

قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ يَقُولُ لَوْ أَنَّ صَاحِبَ خَبَرٍ جَلَسَ إِلَيْك ليكتب كَلَام لاحْتَرَزْتَ مِنْهُ وَكَلامُكَ يُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ فَلا تَحْتَرِزُ.

عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبِرُونِي لَوْ كَانَ مَعَكُمْ مَنْ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى السُّلْطَانِ أَكُنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ قَوِيَتْ أَسْبَابُ الْهَوَى فَحَمَلَتْكَ عَلَى الْخَلْوَةِ بِحَبِيبِكَ فَقَدْ تَعَرَّضْتَ بِالأَسَدِ فِي خِيسِهِ وَبَعِيدٌ سَلامَةُ مِثْلِكَ

فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ فَلا نَجَاةَ فِي غَيْرِهِ

فَإِنْ أَمْسَكَكَ الْهَوَى فَاجْتَذِبْ نَفْسَكَ مِنْ يَدِهِ بِخَوْفِ مَنْ يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَاسْتَحْيِي مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْكَ فَإِنَّهُ حَاضِرٌ مَعَكَ.

قَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ: عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُمْ فَاسْتَحْيَوْا مِنْ نَظَرِهِ أَنْ يُرَاعُوا شَيْئًا سِوَاهُ.

وَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ اجْعَلْ مُرَاقَبَتَكَ لِمَنْ لَا يَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَيْكَ، وَاجْعَلْ شُكْرَكَ لِمَنْ لَا تَنْقَطِعُ عَنْكَ نِعَمُهُ، وَاجْعَلْ خُضُوعَكَ لِمَنْ لَا تَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ.

(فَصْلٌ)

فَأَدْرِ فِي تَلَذُّذِكَ ذِكْرَ مَرَارَةِ الْمَوْتِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَازِمُ اللَّذَّاتِ وَتَذَكَّرْ شِدَّةَ النَّزْعِ وَتَفَكَّرْ فِي الْمَوْتَى الَّذِينَ حُبِسُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ لِيُجَازَوْا بِهَا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى مَحْوِ خَطِيئَةٍ وَلا عَلَى زِيَادَةِ حَسَنَةٍ فَلا تَعْثَ يَا مُطْلِقُ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن يزيد العبدي أَتَانِي رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَهْلِ الآخِرَةِ نُحْدِثُ بِقُرْبِهِمْ عَهْدًا فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَأَتَى إِلَى الْمَقَابِرِ فَجَلَسْنَا إِلَى بَعْضِ تِلْكَ الْقُبُورِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا تَرَى هَذَا مُتَمَنِّيًا لَوْ مُنِّيَ قُلْتُ أَنْ يُرَدَّ وَاللَّهِ إِلَى الدُّنْيَا فَيَسْتَمْتِعَ مِنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَيُصْلِحَ.

قَالَ فَهَا نَحْنُ ثُمَّ نَهَضَ فَجَدَّ وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ.

(فَصْلٌ)

وَصَوِّرْ لِنَفْسِكَ حِينَ اعْتِرَاضِ الْهَوَى عَرْضَكَ عَلَى رَبِّكَ وَتَخْجِيلِهِ إِيَّاكَ بِمَضِيضِ الْعِتَابِ عَلَى فَعْلِ مَا نَهَاكَ عَنْهُ.

(فَصْلٌ)

وَتَخَايَلْ شَهَادَةَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْصِي فِيهِ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

(فَصْلٌ)

وَمَثِّلْ فِي نَفْسِكَ عِنْدَ بَعْضِ زُلَلِكَ كَيْفَ يُؤْمَرُ بِكَ إِلَى النَّارِ الَّتِي لَا طَاقَةَ لِمَخْلُوقٍ بِهَا وَتَصَوَّرْ نَفَادَ اللَّذَّةِ وَبَقَاءَ الْعَارِ وَالْعَذَابِ فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ

تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ شَهْوَتَهُ ... مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالْعَارُ

تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ

(فَصْلٌ)

وَمِنْ أَدْوِيَةِ الظَّاهِرِ كَثْرَةُ الْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْمَحْبُوبِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ دَوَاءٌ أَنَّهُ يُقَلِّلُ الْحَرَارَةَ الَّتِي مِنْهَا يَنْتَشِرُ الْعِشْقُ وَإِذَا ضَعُفَتِ الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ حَصَلَ الفتور وَبرد الْقلب فَحَمدَ لَهَبُ الْعِشْقِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ

وَطَأْ مَنْ شِيبٍ يُغْنِيكَ ... عَنِ الْحَسْنَاءِ فِي الذُّرْوَهْ

(فَصْلٌ)

وَمِنَ الأَدْوِيَةِ عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَتَشْيِيعُ الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَوْتَى وَالتَّفَكُّرُ فِي الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطْفِئُ نِيرَانَ الْهَوَى كَمَا أَنَّ سَمَّاعَ الْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ يُقَوِيهِ فَمَا هُوَ كَالضِّدِّ يُضْعِفُهُ وَكَذَلِكَ مُوَاصَلَةِ مَجَالِسِ التَّذَكُّرِ وَمُجَالَسَةِ الزُّهَّادِ وَسَمَاعِ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ وَالْمَوَاعِظَ

وَكُلِّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الإِنْسَانَ عَنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ إِلَى حَيِّزِ الْحُزْنِ وَالْفِكْرِ وَذَلِكَ يُضَادُّ الْعِشْقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت