فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 37

{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)}

(تفسير البصر وضده العصيان)

تفسير البصر:

وقال البصر من البصير يكون بسبعة أشياء: أحدهما: يخبر بعلم الاختلاف والموافقة بمتابعة الموافقة والحجة لا بمتابعة الخلاف، والثاني: يعلم المحكم والمتشابه بمتابعة المحكم لا بمتابعة المتشابه، والثالث يعرف الناسخ من المنسوخ بمتابعة الناسخ لا بمتابعة المنسوخ، والرابع: يفهم الحكم من الأحاديث والأدب والتخويف والتغليظ حتى يميز بعضها عن بعض، والخامس: يبصر السنة والبدعة بمتابعة السنة لا بمتابعة البدعة، والسادس: يعقل الجماعة في الفرقة بمتابعة الجماعة لا بمتابعة الفرقة، والسابع: يفقه الحجة والداحضة لأن النجاة يوم القيامة تكون بالحجة لقول الله تعالى: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} ولا يقول هاتوا رجالكم، فلذلك ينبغي للمتعلم ألاّ يتعلم العلم من العالم إلا بالحجة، ولا يقبله من غير حجة.

والبصر والمعرفة شكل، وضد البصر العصيان، وللبصر ثلاث علامات: أوله: يحب المداراة لأن المداراة جُنة لإظهار ما يُعْلم ويبصر فيه، والثاني: يحب المواساة لأن المواساة ترق القلب، والثالث: يحب المعافاة وبالمعافاة يزيد في حب الجماعة.

وثلاثة أشياء من أفعال البصير: أولها: ألاّ يدع أمر دينه في أحد لأنه بصير بعيوب الناس، والثاني: شحيح بأمر دينه لأنه يبصر أن ترك أمر دينه أشد عليه من قطع لحمه وإهراق دمه؛ فلذلك يكون مشفقًا على أمر دينه، والثالث: لا يكون طامعًا فيما في أيدي الناس، لأنه يذكر بقلبه أن من طمع فيما في أيدي الناس يفسد قلبه، ولا يصيب البصير إلا بمتابعة العلم بالحجة والبصر في اختلاف الأمة، حتى يُعلم الناسخ والمنسوخ والمخالطة مع العلماء.

(تفسير المعرفة)

وقال البصر والمعرفة واليقين شكل، وضد المعرفة النكرة، وتفسير المعرفة تصديق، كما قال الله تعالى في كتابه: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ، فالمعرفة تصديق القلب بإقرار اللسان، والمُعرّف الله عرفه بتعريفه، حتى يعرف العارف حقيقة الله، وحقيقة ما بتعريفه إيَّاه، والبصير الله بصره بتبصيره حتى يبصر للبصير بتبصير مبصره إياه، وليس للخلق فيه تكلُّف ولا مقدرة، والفهم كذلك واليقين، لأنهما لا يكونان إلاّ بفعل الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت