(الإعجاز في المعاني)
والوجه الثاني: من إعجازه، إيجازه عن هذا الإكثار واستيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .
فإن قيل: ليس جميعه وجيزا مختصرا وفيه المبسوط والمكرر بعضه أفصح من بعض ولو كان من عند الله لتماثل ولم يتفاضل لأن التفاصيل في كلام من يكل خاطره وتضعف قريحته فعنه جوابان:
أحدهما: أن اختلافه في البسط والإيجاز ليس للعجز عن تماثله ولكن لاختلاف الناس في تصوره وفهمه وتفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه لا للعجز عن تساويه.
والثاني: أنه خالف بين معانيه ومختصره وبين أفصحه وأسهله ليكون العجز عن أسهله وأبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه وأخصره ولذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل والمفضول.
وقد حكى أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام.
فأما تكرار قصصه وتكرار وعده ووعيده فلأسباب مستفادة منها أنها في التكرار أوكد وفي المبالغة أزيد، ومنها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبول أسرع وفي الإعجاز أبلغ ومنها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره فلم يخل من رغب ورهب.