فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 58

(الإعجاز في الأسلوب)

والوجه الثالث: من إعجازه أن نظم أسلوبه ووصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام ومنثوره ولا يدخل في شعر ولا رجز ولا سجعة ولا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه وباين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل ونظم لا يماثل فصار وإن كان من حروف الكلام خارجا عن أقسام الكلام فقد قال أنيس الغفاري وهو أخو أبي ذر الغفاري وكان من الموصوفين بالتقدم في البلاغة والفصاحة عرضت القرآن على السجع والشعر والنظم والنثر فلم يوافق شيئا من طرق كلام العرب.

وحكي عن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان سيد عشيرته وأفصح قومه أنه جاء إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على كفره فقال: اقرأوا عليّ شيئا من القرآن فقرأوا عليه فقال: ليس هذا من كلام البشر وليس بشعر، فمضى إليه أبو لهب وقال: أفسدت قريشا بهذا القول فارجع عنه فقال: أقول إنه سحر وقد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل:

ألا من مهلك الفيل ... ومن سار مع الفيل

بطير صبه الله ... عليهم من أبابيل

رمتهم بجنادل ... ترى من طين سجيل

فأضحى القوم في القاع ... كعصف غير مأكول

فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه واستعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره وضمن آخر من الشعراء شيئا منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول:

وقرأ معلنا ليصدع قلبي ... والهوى يصدع الفؤاد السقيما

أرأيت الذي يكذب بالدين ... ذاك الذي يدع اليتيما

فإن قيل لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية والآيتين شهودا أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به، ولكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوّذتين حين أخرجهما من القرآن ولا على أبيّ بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ولا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن فعنه جوابان:

أحدهما: أن عمر التمس الشهادة في الآية والآيتين مما لا يكون بانفراده معجزا لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي وأقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات وحروفا وهي سورة الكوثر، وما قصر عنه لا إعجاز فيه فكان طلبه للشهادة متوجها إليه.

والثاني: أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي وفي أي موضع منها وإن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) فأما ابن مسعود فلم

يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن وإنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت.

وأما أبيّ بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية ولم يعلم أنها قد نسخت، وأما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة والبلاغة فتفرق بين الشعر وأسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت