فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 58

ومن أعلامه: أن كلدة بن أسد أبا الأشد وكان من القوة بمكان خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال فجاء كلدة ومعه المزراق فرجع المزراق في صدره فرجع فزعا، فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشد؟

فقال: ويحكم ما ترون الفحل خلفي، قالوا: ما نرى شيئا، قال: ويحكم فإني أراه، فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، لو رأيتم ما رأيت لهلكتم.

ومن أعلامه: أن أبا لهب خرج يوما وقد اجتمعت قريش فقالوا: يا أبا عتبة إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا وأن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية وتسود قومك، فقال: فإني أكفيكم، ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه نزل أبو لهب وهو يصلي وتسلقت امرأته أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه وهما كانا لا ينقلان قدما ولا يقدران على شيء حتى تهجر الصبح وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو لهب: يا محمد أطلق عنا، فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني، قالا: قد فعلنا، فدعا ربه فرجعا.

ومن أعلامه: أن قريشا اجتمعوا في الحطيم فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرّق جماعتنا وبدد شملنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، وكان في القوم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحرث ومنبه ونبيه ابنا الحجاج وأمية وأبي ابنا خلف في جماعة من صناديد قريش فقال له: قل ما شئت فإنا نطيعك، قال: سأقوم فأكلمه فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه وإلّا رأينا فيه رأينا، فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس، فقام فتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس وحده، فقال: أنعم صباحا يا محمد، قال: «يا عبد شمس إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة» ، قال: يا ابن أخي إني جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها ولنا الفسحة، ثم قال: يا ابن عبد المطلب إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فاقبل مني ما أقول لك، قال: «قل» ، قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملّكك علينا من غير تعب ونتوّجك فارجع عن ذلك، فسكت، ثم قال له:

وإن كان ما تدعو إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك، فقال: «لا قوة إلّا بالله» ، ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش فإن ذلك أهون علينا من تشتيت كلمتنا وتفريق جماعتنا وإن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بني ثعلبة مجنونهم، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد ما تقول وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) حتى بلغ إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) .

قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من إعجازها، وقام فزعا يجر رداءه، فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتقاض العصفور وقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك؟ قال: ويحكم دعوني، إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا ولقد رعدت عليّ الرعدة حتى خفت على نفسي وقلت الصاعقة قد أخذتني، فندموا على ذلك.

قال ابن عرفة: الصاعقة اسم للعذاب على أي حال كان، وإنما أهلكت عاد بالريح وثمود بالرجف فسمى الله تعالى ذلك صاعقة.

قال الأزهري: الصاعقة صوت الرعد الشديد الذي يصعق منه الإنسان أي يغشى عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت