ومن أعلامه: أنه لما أراد الهجرة خرج من مكة ومعه أبو بكر فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء، فأعانه الله تعالى بإخفاء أثره وأنبت على باب الغار ثمامة، وهي شرجة صغيرة، وألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفة عين ولدغ أبو بكر هذه الليلة غير لدغة فخرق ثيابه وجعلها في الشقوق وسد بعضها بقدمه اتقاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه فلقيه سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفنا سراقة» ، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فقال سراقة: يا محمد ادع الله أن يطلقني ولك عليّ أن أردّ من جاء يطلبك ولا أعين عليك أبدا، فقال: «اللهم إن كان صادقا فأطلق عن فرسه» ، فأطلق الله عنه، ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه.
ومن أعلامه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انفرد في غزوة ذي أمر عن أصحابه واضطجع وحده فوقف عليه دعثور فسل سيفه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟
فقال: «الله» ، فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: «من يمنعك مني» ؟ قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وعاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وفيه نزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) .
ومن أعلامه: أن الناس لما انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو معتزل عنهم رآه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة فقال: اليوم أدرك ثأري وأقتل محمدا لأن أباه قتل يوم أحد في جماعة أخوته وأعمامه، قال شيبة: فلما أردت قتله أقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك فعلمت أنه ممنوع.
ومن أعلامه: أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وهو أخو لبيد بن ربيعة الشاعر لأمه وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومهما من بني عامر، فقال عامر لأربد: إذا أقدمنا على محمد فإني شاغل عنك وجهه فأعله أنت بالسيف حتى تقتله، قال أربد: أفعل، ثم أقبل عامر يمشي وكان رجلا جميلا حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للإسلام وعليك ما على الإسلام» ، قال: ألا تجعلني الوالي من بعدك؟ قال: «ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل تغزوبها» ، قال: أو ليست لي اليوم
ولكن اجعل لي ولك المدد، قال: «ليس ذلك لك،» ، فقال: قم يا محمد إلى ههنا، فقام إليه فوضع عامر يده بين منكبيه ثم أومأ إلى أربد أن اضرب فسل أربد سيفه قريبا من ذراع، ثم أمسك الله يده فلم يستطع أن يسله ولا يغمده، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أربد فرآه على ما هو عليه فقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت اللهم أهد بني عامر واغن الدين عن عامر» فانطلقا وعامر يقول: والله لأملأنها عليك خيلا دهما «1» ووردا «2» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يأبى الله ذلك وأبناء قيلة، يعني الأنصار» ثم قال عامر لأربد: ويلك لم أمسكت عنه، فقال: والله ما هممت به مرة إلّا رأيتك ولا أرى غيرك أفأضربك بالسيف وسارا.
فأما عامر فطرح الله عليه الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: أغدة كغدة البكر «3» في بيت امرأة من بني سلول، وركب فرسه فركضه «4» حتى مات.
وأما أربد فقدم على قومه فقالوا: ما وراءك يا أربد، فقال: والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذا حتى أقتله، ثم خرج بعد مقالته بيوم أو يومين ومعه جمال له تتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جماعته صاعقة أحرقتهم، وقيل: نزل في صاعقته قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) يعني خوفا من الصواعق وطمعا في المطر، وفيه يقول لبيد بن ربيعة وهو أخو أربد لأمه:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد
أفجعني الرعد والصواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النجد
كل بني حرة مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد
أن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنكد
فإن قيل: فهذا أخبار آحاد لا يقطع بمثلها؟
قيل: العداوة ظاهرة والطلب معلوم والسلامة موجودة فلم تدفع جملة الأخبار ولم يصح في جميعها توهم الكذب وإن جاز في آحادها توهم الكذب كالمحكى من سخاء حاتم وشجاعة عنترة.
(1) خيلا دهما: خيلا سودا.
(2) الورد: الخيل لونها ما بين الكميت والأشقر.
(3) البكر: البعير.
(4) ركضه: رماه وداسه.