قَالَ فَلَمَّا اسْتَقر قراره وَجه إِلَيْهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَمثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ يَا ابْن عمرَان بَلغنِي أَن فِيك ثَلَاث خِصَال لتخْرجن مِنْهَا أَو لأجعلنك نكالا قَالَ وَمَا هن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ بَلغنِي أَنَّك لَا تصلي فِي مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنَّك لَا تخالط أَشْرَاف النَّاس وَلَا سوقتهم تيها وكبرا وَأَنَّك بخيل بِذَات يدك
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما تركي للصَّلَاة فِي مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنِّي مَا تركت ذَلِك رَغْبَة عَنهُ وَلَا جهلا بفضيلته وَلَكِنِّي رجل بدين لَا ألحق الإِمَام فِي رُكُوعه وَسُجُوده وَلَا قِيَامه وقعوده فلزمت الصَّلَاة فِي منزلي لأؤدي فَرضِي كَمَا وَجب عَليّ وَأتم ركوعي وسجودي وَلَوْلَا ذَلِك مَا تلقيت أَمِير الْمُؤمنِينَ رَاكِبًا
وَأما مَا ذكره أَمِير الْمُؤمنِينَ من تركي مُخَالطَة أَشْرَاف النَّاس وسوقتهم تيها وكبرا فَإِنَّمَا تركت ذَلِك خوفًا أَن أخالط أَشْرَاف النَّاس فيجترئوا على ضعافئهم أَو أخالط ضعفاءهم فيجترئوا على أَشْرَافهم وَأَنا عَامل من عُمَّال أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يسعني فِيمَا استرعاني فِيهِ إِلَّا الْعدْل فِيمَا بَينهم فَتركت هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء لذَلِك
وَأما قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ إنِّي بخيل بِذَات يَدي فَإِنِّي مَا أَحْمد فِي حق وَلَا أَذمّ فِي بَاطِل وَإِنَّمَا هُوَ رزق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أملك غَيره فَإِن تفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِزِيَادَة سمحت وَبسطت يَدي وَلَكِن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن رَأَيْت أَن تنظر فِي أَمر بني مَخْزُوم فَإِنَّهُم ذكرُوا أَن عينا وَنَخْلًا لَهُم فِي يدك وَقد أَكْثرُوا فِي ذَلِك وَذكروا أَنَّهَا لَهُم وَأَن مَعَهم بذلك بَيِّنَة عادلة تشهد لَهُم
فَقَالَ الْمَنْصُور يَا ابْن عمرَان تِلْكَ الْعين وَالنَّخْل كَانَت للْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اثْبتْ على حجتك وتقيم وَكيلا وَتشهد لَهُ شَاهِدين مِمَّن حضر مجلسك فيتكلم بحجتك وَمَا قضي لَهُ أَو عَلَيْهِ كَانَ لَك أَو عَلَيْك
قَالَ أَبُو جَعْفَر قد أَقمت وَكيلا وأشهدت لَهُ فلَانا وَفُلَانًا فَقَالَ ابْن عمرَان للشاهدين اشهدا على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا وَجب لَهُ أَو عَلَيْهِ فلأمير الْمُؤمنِينَ أَو عَلَيْهِ قَالَا نعم قَالَ ابْن عمرَان فَإِنِّي أشهدكما وَمن حضر أَنِّي قد حكمت بِالْعينِ وَالنَّخْل الَّتِي فِي يَده لبني مَخْزُوم بِمَا صَحَّ عِنْدِي لَهُم
قَالَ فَرَأَيْت أَبَا جَعْفَر وَقد نزل بِهِ من الغيظ مَا لم يملك نَفسه مَعَه ثمَّ قَامَ فَدخل وَقَامَ ابْن عمرَان إِلَى مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس يحكم بن النَّاس
قَالَ فَجَاءَهُ قوم من الجمالين فَقَالُوا أصلح الله القَاضِي إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور اكترى منا جمالنا على أَن لانقيم فِي الْمَدِينَة إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام وَهَذَا الْيَوْم الثَّالِث فإمَّا رَحل بِنَا ووفى لنا وَإِلَّا علف لنا جمالنا فَقَالَ لكَاتبه قُم مَعَهم إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فإمَّا أنصفهم وَإِمَّا حضر مَعَهم مجْلِس الحكم وَأَعْطَاهُ خَاتمًا بإحضاره