فهرس الكتاب
فَقَامَ الْكَاتِب مَعَ الجمالين إِلَى بَاب الْملك فَوَافى الرّبيع فَقَالَ لَهُ أصلحك الله أَنا رَسُول القَاضِي ابْن عمرَان مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكَذَا وَكَذَا وَلَا أَحسب القَاضِي إِلَّا قد خولط فِي عقله وَمَعِي خَاتمه وَدفعه إِلَى الرّبيع فَدخل الرّبيع مغضبا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك بسطت لِابْنِ عمرَان حَتَّى تناولك بِمثل هَذَا قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِنَّه وَجه كَاتبه مَعَ الجمالين وَمَعَهُ خَاتمه بجلبك إِلَى مَجْلِسه مَعَ خصمائك قَالَ الرّبيع فَنَظَرت إِلَى وَجه الْمَنْصُور وَهُوَ يَتلون يحمر ويصفر ثمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ
يَا مسرور ائْتِنِي بجبة أسماط بَيْضَاء أضعها فَوق ثِيَابِي وقلنسوة طَوِيلَة وعكاز أتوكأ عَلَيْهِ ونعلين عربيتين وناد فِي النَّاس بَرِئت الذِّمَّة من رجل قَامَ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الْيَوْم إِذا رَآهُ فَلَيْسَ ذَلِك
ثمَّ خرج من دَار الْإِمَارَة حَتَّى دخل مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأتى سَارِيَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ فصلى عِنْدهَا رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ ابْن عمرَان جَالِسا ينظر فِي أُمُور النَّاس لَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالا وَلَا يحول وَجهه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا يَدْعُو بِهِ فَلَمَّا فرغ الْمَنْصُور من ركعتيه قَالَ للربيع لَئِن زادني ابْن عمرَان على حَقي شَيْئا لأجعلنه نكالا فِي هَذَا الْيَوْم
قَالَ الرّبيع فَقلت فِي نَفسِي لأَنْت أَهْون عَلَيْهِ من ذَلِك فَلَمَّا خف مَجْلِسه دَعَا بالجمالين ثمَّ نَادَى مناديه أَيْن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ فَلم يقم الْمَنْصُور ثمَّ قَالَ الْمُنَادِي أَيْن عبد الله بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي فَقَامَ الْمَنْصُور قَائِما فَدخل فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ ابْن عمرَان تكلمُوا فَقَالُوا أصلح الله القَاضِي هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اكترا منا جمالنا إِلَى مَكَّة على أَن لَا نُقِيم بِالْمَدِينَةِ إِلَّا ثَلَاثًا وَهَذَا الْيَوْم الثَّالِث فإمَّا وفى لنا بشرطنا وَإِمَّا علف لنا جمالنا
فَقَالَ القَاضِي لأبي جَعْفَر مَا تَقول أَنْت قَالَ مَا هَكَذَا شارطناهم فَقَالَ للجمالين قد سَمِعْتُمْ مقَالَته فَهَل عنْدكُمْ بَيِّنَة تشهد عَلَيْهِ قَالُوا لنا وَلَكِن يحلف قَالَ لأبي جَعْفَر قد سَمِعت مَا قَالُوا قَالَ لَهُ لَا أَحْلف لَهُم وَلَكِن أعلف لَهُم جمَالهمْ مَا أَقَامُوا بِالْمَدِينَةِ ثمَّ نَهَضَ الْمَنْصُور
فَلَمَّا فرغ ابْن عمرَان من نظره بَين النَّاس قَامَ من مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدخل إِلَى منزله فَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ اغْتسل وتطيب وَركب إِلَى الْخَلِيفَة فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فَدخل وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة ووقف بَين يَدَيْهِ يبكي فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مَالك يَا ابْن عمرَان قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك قد قلدتني الحكم وجعلتني حجَّة بَين الله وَبَيْنك فَلم يسعني فِي الحكم عَلَيْك وعَلى رعيتك إِلَّا الْعدْل والإنصاف
قَالَ لَهُ الْمَنْصُور وَالله يَا ابْن عمرَان مَا أردْت بذلك إِلَّا الله وَمَالك عِنْدِي إِلَّا الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ فجزاك الله خيرا ... وَإِنِّي لأعْلم أَنَّك صَادِق أَمِين ارْجع إِلَى حكمك بَين النَّاس فقد أمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِينَار فاصرفها فِي حوائجك وزد فِي بسط يدك واحكم بَين النَّاس بِالسَّوِيَّةِ وَلَا تأخذك فِي الله لومة لائم فَأَخذهَا ابْن عمرَان وَانْصَرف فَهَكَذَا كَانُوا فِي اتِّبَاع شَرِيعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي التَّوَاضُع لَهَا واحترامها واحترام أَهلهَا.