(فصل)
وَبعد فَإِنِّي أوصِي وَلَدي وأحبائي وَمن تَبِعَهُمْ من بني أبي وأصحابي بفن الْعلم وحرفته وَأَن يَكُونُوا من محبيه وَحَمَلته فَإِنَّهُ فن الأتقياء وَسلَاح الْأَوْلِيَاء ووراثة الْأَنْبِيَاء وَهُوَ الْكَنْز الَّذِي لَا يضيع وَلَا يفوت وَهُوَ الرفيق الَّذِي لَا يفارقك حِين تَمُوت وَهُوَ الَّذِي ينفع صَاحبه فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي يشفع لمن عمل بِهِ فِي العقبى
قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه لكميل بن زِيَاد رَضِي الله عَنهُ الْعلم خير من المَال الْعلم يحرسك وَأَنت تحرس المَال المَال تنقصه النَّفَقَة وَالْعلم يزكو على الْإِنْفَاق وَالْعلم حَاكم وَالْمَال مَحْكُوم عَلَيْهِ محبَّة الْعلم دين يدان الله بِهِ الْعلم يكْسب الْعَالم الطَّاعَة فِي حَيَاته وَجَمِيل الأحدوثة بعد وَفَاته
مَاتَ خزان الْأَمْوَال وهم أَحيَاء وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر أعيانهم مفقودة وأمثالهم فِي الْقُلُوب مَوْجُودَة
انْتهى كَلَامه رَضِي الله عَنهُ
وينشد فِي الْمَعْنى
(وَفِي الْجَهْل قبل الْمَوْت موت لأَهله ... وأجسامهم قبل الْقُبُور قُبُور)
(وكل فَتى لم يحي بِالْعلمِ ميت ... وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النشور نشور)
وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْعلم سلاحي وَالصَّبْر رِدَائي وَالرِّضَا غنيمتي)
ذكره فِي الشفا وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ الْعلم أفضل من المَال لِأَنَّهُ مِيرَاث الْأَنْبِيَاء وَالْمَال مِيرَاث الفراعنة وَلِأَن الْعلم يحرسك وَأَنت تحرس المَال وَلِأَن الْعلم لَا يُعْطِيهِ الله إِلَّا من يُحِبهُ وَالْمَال يُعْطِيهِ من يُحِبهُ وَمن لَا يُحِبهُ وَلِأَن الْعلم لَا ينقص بالبذل والإنفاق وَالْمَال ينقص بذلك
وَلِأَن صَاحب المَال ميت وَصَاحب الْعلم لَا يَمُوت وَلِأَن صَاحب المَال إِذا مَاتَ انْقَطع ذكره والعالم إِذا مَاتَ فَذكره بَاقٍ
حَكَاهُ السَّمرقَنْدِي فِي كِتَابه عَنهُ.