فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 118

وَقَالَ إِمَام الْحفاظ وَرَأس الوعاظ ابْن الْجَوْزِيّ رَحمَه الله فِي وَصيته لِابْنِهِ ودبر أَمرك فِي إنفاقك من غير تبذير لِئَلَّا تحْتَاج إِلَى النَّاس فَإِن حفظ المَال من الدّين وَلِأَن تخلفه لورثتك خير من أَن تحْتَاج إِلَى النَّاس

وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا رَحمَه الله فِي كتاب الطِّبّ الروحاني وَلَا يُنكر على من جمع مَا لَا غنى للنَّفس عَنهُ فاستغنى بِهِ عَن النَّاس وأغنى أَوْلَاده وبذل بعضه للمحتاجين إِلَّا أَنه لَا يَنْبَغِي بعد حُصُول الْمِقْدَار الْمُتَوَسّط أَن يضيع الزَّمن الشريف ويخاطر بِالروحِ فِي الْأَسْفَار

قَالَ وَاعْلَم أَن مُجَرّد إمْسَاك المَال لَا يُسمى بخلا لِأَن الْإِنْسَان قد يمسك لِحَاجَتِهِ ولحوادث دهره وَلأَجل عائلته ولقرابته قَالَ وَهَذَا كُله من بَاب الحزم فَلَا يذم

وَإِنَّمَا يَقع الْبُخْل على مَانع الْحق الْوَاجِب والتبذير فِيمَا يَأْمر بِهِ الْهوى وَينْهى عَنهُ الْعقل قَالَ وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان قد يعْطى رزق شهر فِي يَوْم وَاحِد فَإِذا بذر فِيهِ بَقِي شهره يعاني الْبلَاء وَإِذا دبر فِيهِ عَاشَ شهره طيب الْعَيْش

قَالَ وَيَنْبَغِي للعاقل أَن يكْتَسب أَكثر مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ ويقتني مِمَّا يعلم أَنه لَو حدث بِهِ حَادث كَانَ فِي المقتنى عوض عَمَّا ذهب

وَلَو جَاءَهُ أَوْلَاد أَو احْتَاجَ إِلَى فضل زَوْجَة أَو خَادِم أَو احْتَاجَ وَلَده إِلَى مثل ذَلِك كَانَ فِي كَسبه مَا يَكْفِيهِ

وَفِي الْجُمْلَة يَنْبَغِي أَن تكون النَّفَقَة أقل من الْكسْب ليقتني من الْفضل مَا يكون معدا للحادثة إِذْ لَا تؤمن

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (من فقه الرجل رفقه فِي معيشته) .

انْتهى كَلَامه رَحمَه الله.

وروى هَذَا الحَدِيث الْأَخير أَبُو إِسْحَاق الثعالبي فِي تَفْسِيره

وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ثَلَاث من كن فِيهِ فقد تمت مروءته من تفقه فِي دينه واقتصد فِي معيشته وصبر على النوائب)

ذكره مَنْصُور الثعالبي فِي كتاب إنجاز الْمَعْرُوف وَأنْشد بَعضهم

(لمَال الْمَرْء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع)

(يسد بِهِ نَوَائِب تعتريه ... من الْأَيَّام كالنهل الشُّرُوع)

النهل جمع ناهل وَهُوَ العطشان

والقنوع هُوَ السُّؤَال ويروى أَن زيد بن سَلمَة كَانَ يغْرس فِي أرضه فَقَالَ لَهُ

عمر رَضِي الله عَنهُ أصبت استغن عَن النَّاس يكن أصون لدينك وَأكْرم لَك عَلَيْهِم

كَيفَ قَالَ صَاحبكُم أحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت