قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي الرَّاوِي عَن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا لَيْسَ شَيْء أعز من الْعلم
الْمُلُوك حكام على النَّاس وَالْعُلَمَاء حكام على الْمُلُوك ذكره الثعالبي فِي تَفْسِيره سُورَة النِّسَاء وَذكره صَاحب كتاب زهرَة الْعُيُون وَغَيرهمَا
فَمَا زَالَ الْعلمَاء حكاما على السلاطين والسلاطين سَيْفا ونصرة للدّين وَمَا برح الْمُلُوك بالعلماء يقتدون
وبقولهم يَهْتَدُونَ لَا يضع الْمُلُوك سَيْفا وَلَا يغمدونه إِلَّا بِمَا قَالَه علماؤهم لَا يعتدونه
قد عرفُوا للْعُلَمَاء حُقُوقهم وسلكوا بأفعالهم طريقم وأذلوا من رام عقوقهم، ونصروا الشَّرِيعَة بِالسَّيْفِ وردوا إِلَيْهَا من أظهر الحيف وَلم يَقُولُوا لم هَذَا وَلَا كَيفَ بل مهدوا الأَرْض للْعُلَمَاء تمهيدا وتبعوا أحكامهم وقلدوهم تقليدا ونصروا الشَّرْع وَالْعُلَمَاء نصرا حميدا
علمُوا أَن الْعلمَاء هم الوسائط بن الله وَبَين خلقه وَأَنَّهُمْ العارفون بِمَا يجب من رِعَايَة حَقه
فقدروهم قدرهم وشدوا بهم أزرهم وَجعلُوا من طَاعَة الله نَصرهم
وتواضعوا للْعلم وَالْعُلَمَاء وَلم يتكبروا وانقادوا تَحت أَمر عُلَمَائهمْ وَلم يتجبروا
رُوِيَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد لما قدم الْمَدِينَة حَاجا وَجه الْبَرْمَكِي إِلَى الإِمَام مَالك بن أنس الْفَقِيه رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ احْمِلْ إِلَيْهِ الْكتاب الَّذِي صنفته يَعْنِي الْمُوَطَّأ ليسمعه عَلَيْك فَقَالَ لَهُ مَالك أقرئه السَّلَام وَقل لَهُ إِن الْعلم يزار وَلَا يزور وَيُؤْتى وَلَا يَأْتِي
فَرجع الْبَرْمَكِي إِلَى هَارُون فَأخْبرهُ ثمَّ قَالَ لَهُ الْبَرْمَكِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يبلغ أهل الْعرَاق أَنَّك وجهت إِلَى مَالك بِأَمْر فخالفك اعزم عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيك
فَبينا هم كَذَلِك إِذْ بِمَالك رَحمَه الله قد دخل وَلَيْسَ مَعَه الْكتاب جَاءَ مُسلما على الْخَلِيفَة فَسلم وَجلسَ فَقَالَ لَهُ هَارُون يبلغ أهل الْعرَاق أَنِّي سَأَلتك أمرا من الْأُمُور سهلا فأبيت عَليّ فَقَالَ مَالك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله قد جعلك فِي هَذَا الْموضع لعلمك فَلَا تكن أول من يضع الْعلم فيضعك الله وَلَقَد رَأَيْت من لَيْسَ هُوَ فِي حَسبك ونسبك يعز هَذَا الْعلم ويجله فَأَنت أَحْرَى أَن تجله
وَلم يزل يعدد عَلَيْهِ من ذَلِك أَشْيَاء حَتَّى بَكَى هَارُون ثمَّ قَالَ مَالك أَخْبرنِي الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة قَالَ قَالَ زيد بن ثَابت كنت أكتب بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَحْي فِي كتف {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله} وَابْن أم مَكْتُوم عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا رجل ضَرِير الْبَصَر فَهَل لي
من رخصَة يَعْنِي فِي ترك الْجِهَاد
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا أَدْرِي قَالَ زيد وقلمي رطب مَا جف حَتَّى غشي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَحْي فَوَقَعت فَخذه على فَخذي فَكَادَتْ تندق من شدَّة الْوَحْي ثمَّ سري عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ اكْتُبْ يَا زيد {غير أولي الضَّرَر}